Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

Friday, 10 June 2005

الجدل اللبناني بعد الخروج السوري - عوني فرسخ

قبل بدء خروج القوات وأجهزة الاستخبارات السورية من لبنان أحتدم الجدل بين نخبه السياسية والفكرية وفي أوساط جمهوره العام حول ايجابيات وسلبيات مرحلة الوجود السوري ونصيبها من النجاح والفشل . كما حول مستقبل العلاقات السورية - اللبنانية واحتمالات مستقبل لبنان بعد نهاية ما يسمى "سيطرة سورية" تحت الضغط الامريكي – الفرنسي لتنفيذ القرار 1559 . والذي تعكسه حوارات الفضائيات العربية عامة ، واللبنانية منها خاصة ، أن هناك تباينا الى حد التناقض فيما بين تيارين من النخب والجمهور اللبناني حول ما كان ، وما هو كائن ، وما قد يكون .

فهناك تيار ، لا يخفي فرحته بالخروج السوري ، ويعبر عن قناعته التامة بأن سوريا فشلت فشلا مريعا في لبنان . وأنها بالسلبيات التي غلبت على ممارسات أجهزتها ، وبخاصة الامنية منها ، تسببت في تفكيك عرى العلاقات التاريخية الممتدة بين الشعبين . وأنها تتحمل القسط الاكبر من المسؤولية عن تفاقم حدة ازمات لبنان على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والمجتمعية . وفي تأكيد صحة الاتهامات المكالة جزافا لسوريا يسلط "صقور" هذا التيار الاضواء بكثافة على تجاوزات أجهزتها الامنية ، وسلوكيات كبار ممثليها . فضلا عما يدعونه من استغلال السوريين : متنفذين ورأسماليين وعمالا لاقتصاديات لبنان . بل ويصل بعض اؤلئك "الصقور" حد الزعم بأن سوريا غزت لبنان عنوة سنة 1976 ، ودون إعلام أي من مسؤوليه ، بمن فيهم رئيس الجمهورية يومذاك سليمان فرنجية . وأنها ارادت الحاق لبنان بها إذ سيرت أموره وفق مصالحها من غير مبالاة بمصالحه .

وبالمقابل هناك تيار لبناني ، لا ينكر التجاوزات والسلبيات ، ولكنه يؤكد رجحان كفة الايجابيات . ويذّكر "صقور" التيار الاول بأن دخول القوات السورية وانما كان عملية انقاذ للقوى الاعلى صوتا هذه الايام باتهام السوريين باغتصاب ارادة لبنان وامتهان كرامة مواطنيه مهما علا مقامهم . وأنه بالدعم السوري تمكنت القوى الوطنية اللبنانية من اسقاط اتفاق 17 آيار / مايو 1983 ، ونجحت المقاومة بقيادة حزب الله في انهاء الاحتلال الصهيوني للجنوب في 25 آيار / مايو 2000 . فضلا عن إن التجاوزات ليست المسؤولة عنها الرموز السورية فقط ، وانما تشاركها المسؤولية ايضا زمر من النخب اللبنانية ، تقدم عندها السعي لتعظيم مكاسبها المادية وتعزيز مراكزها الاجتماعية على تقديرها السيادة الوطنية والكرامة الشخصية ، واسهمت بخنوعها في افساد وتشجيع الزمرة السورية موضوع ادانتها وشكواها اليوم . وهي على راي جورج حاوي ، سكرتير الحزب الشيوعي اللبناني ، تستحق الاهانات التي تلقتها ، لأنه لم تجر إهانة أي مواطن لبناني احترم ذاته وكرامة وطنه ، مهما اشتد في انتقاده لممارسات وسلوكيات الاجهزة والرموز السورية في لبنان .

ولقد سمعت خلال الاسبوع الماضي استاذا للتاريخ العربي الحديث والمعاصر في احدى الجامعات اللبنانية يقول بأن البحر المتوسط كان معبرا للحضارة والثقافة الاوروبية التي نهل منها لبنان ، وذلك في اجابته عن سؤال فضائية عربية الى أي حد يرى خيار الحياد بين سوريا وبين الغرب خيارا معقولا كتوجه شعبي في لبنان ، وما هي خلفيات هذا التوجه في رأيه . ومع أن المذيعة السائلة لم تتح له الوقت لاستكمال اجابته إلا أن ما قاله يدل على تفضيله الانفتاح على الغرب الاوروبي والامريكي على التفاعل مع العمق الاستراتيجي العربي. كما شاهدت على فضائية اخرى رجلا يناهز الخمسين يقول : فرنسا أمنا كلنا مسلمين ومسيحيين ، ويتساءل مستنكرا : ما هو الضرر الذي جاءنا من فرنسا ؟

ولا خلاف أن لبنان ، بل والعالم الثالث ، نهل من معين الحضارة والثقافة والتقدم الاوروبي . غير أن اصحاب الذاكرة الانتقائية ، يتجاهلون ان أوروبا لم تبدع الحضارة والثقافة والتقدم العلمي والمعرفي فقط ، وانما غزت العالم الثالث بالاستعمار والارساليات التبشيرية وبالعنصرية المحقرة شعوبه وثقافاتها وموروثاتها الحضارية . كما يتناسون أن فرنسا لم تتعامل مع شعب لبنان باعتباره عالي نسبة التجانس ، إذ 92 % من أبنائه عرب لغة وثقافة وانماط سلوك ، وانما تعاطت مع هذا الشعب ، المتميز بابداعه الفكري والثقافي القومي العربي ، باعتباره طوائف وقبائل . إذ بموجب المرسوم رقم 60 الصادر في 30/6/1925 والمادتين (10) و (95) من دستور سنة 1926 كرس الانتداب الفرنسي الطائفية في النصوص ليؤصلها في النفوس ، برغم اعتراض كل من : جورج زوين ، وابراهيم المنذر ، واميل ثابت ، وعدد آخر من أعضاء المجلس التمثيلي ، الذين أكدوا عند مناقشة الدستور أن تكريس الطائفية في الدستور لم تتبناه أي أمة من الأمم ، وأوضحوا أنه لا وحدة وطنية طالما توجد الطائفية . كما يتناسى هؤلاء أنه حين ضاقت السبل باللبنانيين خلال سنوات الحرب الاهلية الضروس شكل لهم العمق العربي ، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي ، المجال الرحب للعمل والاستثمار دون أي تمييز على اساس الدين او المذهب ، وتوفر لهم جميعا ما لم يتوفر لمن لجأوا لفرنسا " الامم الرؤوم " على راي الخمسيني المردد مقولة عفى عليها الزمن .

ولا يقف التمايز الكيفي بين رموز التيارين عند حدود تباين وجهات النظر تجاه ما جرى خلال سنوات التواجد السوري ، وانما ايضا في الاسلوب الغالب على خطاب كل منهما ، كما في الموقف من مسؤولية الشعب العربي في سوريا عن السلبيات والتجاوزات. ففي الوقت الذي يغلب الانفعال ، وتغيب الموضوعية ، ويشيع التعميم في خطاب التيار الاول ، تغلب الموضوعية ، ويندر الانفعال في خطاب التيار الثاني . كما يتضح عند رموزه التمييز بين النظام وبين الشعب العربي في سوريا ، الذي ليس مسؤولا بأي حال عن أخطاء النظام وخطايا أجهزته . بل ويقدر معظم من تكلموا باسم التيار الثاني لشعب سوريا عطاءه واسهامه في تمكين الشعب العربي في لبنان من صنع امثولنيه الخالدتين : باسقاط اتفاق الاذعان سنة 1983 وتتويج ابداعه المقاوم بفضح أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر في العام 2000 .

والأكثر مدعاة للقلق على حاضر السلام الاجتماعي في لبنان ومستقبله أن خطاب " صقور " التيار الاول أكثر سلبية تجاه ما كان يعتبره تسلطا سوريا ، منه تجاه ما هو قائم بالفعل من هيمنة امريكية – فرنسية ، برغم الفارق النوعي بين ما كان وما هو كائن . إذ لم يهدد النظام السوري في يوم من الايام هوية لبنان وانتماءه القومي ، أو يضع على شفا جرف هار امنه الوطني وسلامه الاجتماعي ، كما باتت عليه الامور بعد أن حلت "عوكر " محل "عنجر " كمقصد للطامحين لزيادة مكاسبهم المادية وتعزيز نفوذهم الاجتماعي .

وللادارة الامريكية التي تمثلها "عوكر" مشروعها المراد للبنان أن يندرج فيه ، والمتمثل بدمج اسرائيل في مشروع اقليمي منزوعة عروبته لتديره لصالح قوى الهيمنة والاستغلال الاقليمية والدولية . وذلك من خلال عملية تفكيك واعادة تركيب على اسس عرقية وطائفية كما جرى في العراق . ولبنان مطلوب من حكومته بعد الانتخابات تنفيذ بقية اشتراطات القرار 1559 ، والدفع باتجاه الصلح مع اسرائيل ، أو على اقل تقدير التطبيع معها . ولأن ارادة المقاومة ليس يسيرا استلابها فالامر المؤكد أن لبنان مرشح لافتعال ازمات بين طوائفه . ويظل الرهان معقود على ما تحقق في لبنان من وعي ، وما تمتلكه المقاومة من قدرات ، كما على تطور الشعور الوطني لدى الجيش ، بحيث لا يعاد انتاج الحرب الاهليـــة التي استدعت عملية الانقاذ السورية المتنكر كثيرون لها هذه الأيام .

The comments are closed.