Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

Thursday, 28 April 2005

الأمير في باريس - أمير أوغلو - الدنمارك

ليس المقصود هنا التذكير بفلم سميرة توفيق السخيف "بدوية في باريس" والذي قد لا يذكره أحد من القراء, والذي كان يركز على التفاوت المادي بين الغرب والشرق بأسلوب مهين, ولكن المقصود هو إظهار الفارق الحضاري والسياسي الكبير بين الزائر والمُزار وبين الرئيس المستقبِل والأمير المستقبَل مع بعض التوضيحات لأهداف الزيارة ونتائجها وتصورات كل من الطرفين لها.



أولا لا أعرف كيف سيحترم الفرنسيون إنسانا يقود أمة ثم يقف ليقرأ بضع كلمات من ورقة مكتوبة بخط كبير فيخطئ في لغة أمته عشرات الأخطاء ولا يستطيع أن يكمل جملة واحدة صحيحة لغويا لا من الورقة ولا بدون ورقة.

لا أدري بأي لغة كان الأمير يتحدث مع المسؤولين الفرنسيين ولكنني متأكد من أن أي مترجم يقف إلى جانب الرئيس شيراك كان يعاني الأمرّين في ترجمة ما يقوله الأمير.



الأمير وصل إلى فرنسا كمقدمة لزيارته لأمريكا التي تبدي نوعا من الجفاء مع السعوديين في الوقت الحالي، ليلعب على ورقة الحريري ولبنان ويقدم التنازلات في سبيل الحفاظ على العرش ولكي تتدخل فرنسا لدى أمريكا في محاولة إصلاح الأحوال وكسب الرضا. أول ما قدمه الأمير هو موافقة فرنسا في اتهام سوريا بقتل الحريري فقد أجاب في مقابلته للوموند أن "الإغتيال كان جريمة كبيرة وأن الحريري لم يسئ إلى سوريا ولم يتكلم ضدها بكلمة واحدة"، ولم يكن ينقص الجملة سوى كلمة "... فلماذا قتلته سوريا؟" وهذا هو التعبير الدبلوماسي الوحيد الذي كان يمكن أن يصاغ فيه اتهام سوريا في مثل هذا الموقف.



المحاولة الثانية للتقرب كانت باتجاه إسرائيل، فهو الذي طرح مبادرة التطبيع وهو الذي جاء لتفعيلها وتفسيرها وتقديم المزيد من التنازلات بشأنها خاصة بعد أن أعلن موفاز بكل وقاحة أن على العرب أن يطبعوا مع إسرائيل قبل أن تفي بالتزاماتها وقبل قيام الدولة الفلسطينية. فجاءت الزيارة لتقول نحن مستعدون للمزيد ولتغيير الجدول الزمني للمبادرة ولتعديل المسارات بحيث تكونوا راضين عنا .



ثالث ما كان بجعبة الأمير هو محاربة الإرهاب وهي الآيات التي يجب أن يتلوها كل من يزور أوروبا وأمريكا في هذه الأيام ليدخل صرح المعبد الدولي الجديد، فبالنسبة لفرنسا الإرهاب هو الإسلام والمسلمين ومحاربته بأيدي المسلمين أنفسهم هو أكبر ما تطمح إليه فكان ما أعلنه الأمير عن حربه على الإرهاب ولو لثلاثين سنة (نسي أنه لن يعيش نصفها بأحسن الأحوال) هو المفتاح بنظره إلى قلب شيراك ومن بعده بوش الذي وافق أن يستقبل الأمير في الأسبوع القادم مما جعل الصحف السعودية تطنطن بهذا الخبر وكأنه تحرير القدس خاصة أن الإستقبال سيكون في المزرعة في تكساس وليس في البيت الأبيض، مما يدل على عمق العلاقة وشدة الحب وخصوصية اللقاء.



التعاون في مكافحة الإرهاب يعني تسليم كل المشتبه بهم إلى من يطلبهم وتسليم المعلومات عن كل السعوديين بغض النظر عن حقوقهم تجاه بلدهم وحكومتهم وعن كرامتهم وكرامة وطنهم، ثم استجواب من تريد أمريكا استجوابه بالأساليب السعودية التي لا تستطيع دول تحترم نفسها مثل فرنسا وأمريكا أن تستخدمها والتي تفوق مئات المرات الوسائل المستعملة في غوانتنامو وأبو غريب طبعا. التعاون في مكافحة الإرهاب يعني أيضا ما تقوم به المملكة من قطع المساعدات والإمدادات المدنية والشعبية عن الفلسطينيين وعن باقي المسلمين المحتاجين في مشارق الأرض ومغاربها، بإغلاق ومنع كل المنظمات الخيرية وملاحقتها واتهام مسؤوليها وتجفيف منابع التمويل لكل المنظمات الأهلية التي لا تخضع للدولة.



فرنسا من جهتها باعت الأمير كلاما معسولا جميلا، وسكتت عن ممارساته القمعية ضد الإصلاحيين مثل سعيد بن زعير ومتروك الفالح وعلي الدميني وعبد الله الحامد وغيرهم, وتناست مشاكل حقوق الإنسان مؤقتا، وأشادت بالإنتخابات المحلية وهي أول من تعرف أنها وسائل سخيفة لذر الرماد في العيون، وأشادت كذلك بحقوق المرأة التي سيبدأ الحديث عنها في السنوات القادمة وهي أول من تعرف أن هذا الكلام للإستهلاك المحلي فقط. ولكن الأمير يتجاهل هنا أن هذا الموقف لن يطول إلى ما بعد نهاية الزيارة ولا لبضع ساعات فقد عودتنا الإدارات الغربية أن تسمع الحكام العرب بعض الكلمات المشجعة بعد كل تنازل، ثم يخرج مسؤول آخر ليصرح بكلام معاكس تماما وتعود الأمور إلى ما كانت عليه وتبدأ المطالبة بالتنازلات الجديدة.



الخلاصة وكما في كل زيارات حكام العرب لأوروبا أو أمريكا: تنازلات عملية وواقعية من قبل حكامنا تؤدي إلى دمار الأمة وحاضرها ومستقبلها، مقابل كلام ومديح مزيف وسكوت مؤقت عن بعض الجرائم والممارسات والسرقات, وإطالة اصطناعية لعمر هذه الأنظمة التالفة من طرف الغرب الذي لا يعرف إلا مصالحه وأهدافه.