Ok

By continuing your visit to this site, you accept the use of cookies. These ensure the smooth running of our services. Learn more.

Friday, 08 April 2005

ضرة ماركة سنكلير - مصطفى قيسون

فى يوم من أيام القرن المنصرم وبالتحديد فى منتصف السبعينيات دق جرس التليفون لتجيب زوجتى وكان المتحدث على الطرف الآخر السيدة الفاضلة حماتى رحمها الله وأسكنها فسيح جناته والتى كانت بالنسبة لى بمثابة الأم الحنون.. ومن بين الحديث الذى تم بين الزوجة والأم كان سؤالها عنى فأجابت الزوجة بتلقائية "دا هو نايم لأنه كان سهران لوش الفجر مع زوجته الثانية!".. وفجأة انقطع الإتصال وجاءت زوجتى ملتاعة تقطع عليً حبل النوم وتحرمنى من أكل الأرز مع الملائكة فقمت مذعورا مودعا أحلامى أملا فى لقاء مع سلطان النوم.. توقعت خطرا جسيما قد حدث فعلمت ملخصا للموقف من بين الحروف المتساقطة والكلمات المتقاطعة من شدة خوف زوجتى على أمها فربما أصابها مكروها للمفاجأة الغير سارة بالنسبة لها بأن زوج ابنتها أصبح له زوجة أخرى دون سابق إنذار.. دق جرس التليفون مرة أخرى فتسابقنا إليه لكن يد زوجتى قد اقتنصت السماعة من يدى لترد بلهفة فجاء صوت حماتى متهدجا مستفسرا ومعلنة بأن السماعة قد سقطت من يدها عند سماع الخبر فطمأنتها زوجتى بأن الأمر غير ما تظن وأن الزوجة الثانية أو(الضرة) كما تسميه ما هو إلا الكمبيوتر!..
إننى أحسد هذا الجيل على ما فيه من نعم وعندما أرى أحد أولادى أو أحفادى أمام هذا الجهاز العجيب والعالم كله بين يديه أتحسر على أيام خوالى وليالى طويلة قضيناها أمام (أجداد) هذه الأجيال من أجهزة الكمبيوتر الذى كان يعتمد على (المونيتور) أو جهاز تلفزيون فى العادة لإخراج البيانات المرئية من الكمبيوتر فى تلك الأيام وكان من الممكن أن تضيع منك ليلة كاملة وعيناك متسمرتين فى الشاشة من أجل البحث عن خطأ فى قائمة برنامج قمت بكتابته بإحدى لغات البرمجة ثم تكتشف أن من "ضيع فى الأحلام عمرا..." ما هو إلا فاصلة منقوطة فى نهاية السطر قد نسيتها سهوا أوقمت بتعريف مصفوفة ثم استخدمتها لتخزين عدد من العناصر يزيد على حجم المصفوفة!.. أو قوس قمت بفتحه وغاب عنك أن تغلقه رغم أننا لم نكن نسرف فى كتابة الأقواس مثل بعض الكتاب الأفاضل فى جريدة شباب مصر!..
كان على من يقتنى جهاز كمبيوتر أيامها أن يكون ملما بإحدى لغات البرمجة مثل BASIC أو Pascal أو اللغة الرشيقة C بالإضافة إلى لغة التجميع حتى يستطيع أن يغوص كبحار فى وحدات الذاكرة لجهازه ويكتشف أى منها يؤدى له خدمة وأى منها يمكن أن يجعله مخزن مؤقت لبياناته مع دراية ببعض أنظمة العد غير العشرى كالنظام الثنائى والنظام السادس عشر فكانت المعاناة شديدة لكنها محببة إلى النفس..
أحيانا كنت أجوب شوارع القاهرة بحثا فى مكتباتها عن كتاب يعالج مشكلة ما ثم أعود يملأنى الإحباط لأنى لم أصل إلى ما تمنيت وما أكثر ماكان يزعجنا "فليس كل ما يتمناه المرأ يدركه!".. عندما كنت فى مرحلة محاولاتى لرسم الحروف العربية حتى يمكن إخراجها على الشاشة والبحث عن مكان مناسب من الذاكرة يستضيف هذه الحروف لحين وقت استدعائها حمدت الله على أن محاولاتى تمت بنجاح وعندما قمت بضغط أحد المفاتيح وظهر على الشاشة حرف من اللغة العربية كان الليل والسكون يلف المكان وكنت الوحيد المستيقظ فى شقتى وشعرت أنى ملكت الدنيا وكدت أهم بإيقاظ زوجتى وأطفالى لتقديم التهانى لكنى كتمت شعورى خوفا من اتهامى بالجنون وخشية رد الفعل بكلمة مثل "يعنى فتحت عكا!" ولم أجد أمامى غير أن أهرول إلى المطبخ وأحتفل وحدى فأكافئ نفسى بكوب من الشاى مع قطع البسكويت المحشو بالكريمة والمغطى بالشيكولاته! وبرزت مشكلة جديدة هى أن أجعل الحروف تتوالى من اليمين إلى اليسار عند كتابتها فتبدأ معاناة جديدة!..
لم تكن ألعاب الكمبيوتر أو الرسم قد تطورت بالشكل الذى نعهده هذه الأيام فقد كانت فى معظمها مجموعة من الأشكال الهلامية تتحرك على الشاشة مثل أى حرف وكانت تسمى Sprite فاستخدمت هذه الأشكال مع بعض الحروف لعمل برنامج لتعليم الحروف الأبجدية وعندما جلس أحد أطفال الأسرة أمام الشاشة أصابته الدهشة وانبهر لحركة الأشباح على الشاشة والتى تشكل صورا لبعض الحيوانات التى يألفها مصاحبة للحروف والكلمات فكان من الصعب أن نرفعه من أمام جهاز الكمبيوتر لمدى استمتاعه بما يرى فينعكس عليً ذلك بسعادة غامرة.. هذا كان حال طفل السبعينيات الذى كان يقنع بالقليل مقارنة بطفل هذه الأيام الذى نجد صعوبة فى إشباعه بألعاب الفيديو.. أتذكر ذلك فأبتسم لحالنا أيامها والمعاناة الشديدة من أجل أن نكيف جهاز الكمبيوتر على رغباتنا فتذكرت (الكعب الداير) على مكتبات القاهرة فى السبعينيات والثمانينيات وقارنت ذلك بما حدث منذ عامين تقريبا حيث أردت أن أستخدم Visual Basic لعمل برنامج لمعرفة عمر القمر فى أى يوم لكنى اصطدمت بعدم معرفتى للتاريخ الجوليانى وأحتاج معادلة لذلك.. دخلت إلى (النت) وكتبت فى خانة البحث كلمة Julian ففتح العالم كل نوافذه أمامى مثل عفريت إسماعيل يس "شبيك لبيك Julian بين إيديك!" وفى لحظات استطعت أن أنسخ المعادلات اللازمة وأكملت برنامجى!..
تعرفت على جهاز الكمبيوتر للأسف بالصدفة فقد شغلتنا الحياة وأزمات فترة اللاسلم واللاحرب ومعارك الإستنزاف والتى قصد منها استنزاف العدو لكنها كانت تستنزف منا أيضا الكثير.. ففى صباح يوم دراسى من عام 76 وبعد أن خرجت من باب الفصل لحقنى أحد طلابى والذى لاحظت عليه دائما أنه يتمتع بفكر متميز ينبئ بالتفوق وطلب منى أن أصحح له برنامج بلغة BASIC من أجل حل المعادلة التربيعية لأن الكمبيوتر لايستجيب له فدار بيننا حوار:
- ليه ماسألتش المهندس المتخصص المسئول عن الكمبيوتر؟
-- المهندس مين ياأستاذ؟!.. دا الكمبيوتر عندى فى البيت!
- نعم.. إحنا هنهزر؟!
-- أبدا ياأستاذ.. الكمبيوتر بتاعى على مكتبى فى البيت!
- بقول لك إيه.. إرحمنى.. أنا عندى حصة دى الوقت.. تعالى حجرة المدرسين وقت الفسحة...
كان ذلك بمثابة المفاجأة التى شلت تفكيرى تماما كما لو كان تلميذى يدعى بأنه يحتفظ بجمل فى حقيبة كتبه أوبقرة تجلس على مكتبه!.. لأن آخر معلوماتى عن الكمبيوتر وقتها مع الأسف كانت حجرة كبيرة مكيفة وتسمع خارجها أزيز الصمامات فإذا دخلناها نجد أجهزة عملاقة يشرف عليها أناس يذكروك بأفلام الخيال العلمى!.. وكنت أظن أن تلميذى قد لجأ لمثل هؤلاء لكتابة برنامجه لكن أن يقول أن فى منزله كمبيوتر فقد كان هذا فوق تصورى فإما أن الطالب قد ألحت عليه أحلام اليقظة أو أنى مدرس متخلف!.. وكأننا دائما وكالعادة نصل إلى محطة التقدم متأخرين!..
لم أذهب هذا اليوم من عملى إلى منزلى كعادتى بل أخذتنى قدماى إلى المكتبات وإلى المحلات حيث تباع الآلات الحاسبة التى بدأت تنتشر وقتها ومن محل إلى محل ومن شركة إلى أخرى فاكتشفت أنى فعلا تخلفت عن المعرفة ليس أقل من عشر سنوات وعدت إلى منزلى وفى حقيبتى ماتيسر من الكتب عن هذا الجهاز العجيب وفى اليوم التالى كان فى بيتى أول (ضرة) لزوجتى ماركة (سنكلير) ذو الـ48 كيلوبايت من الذاكرة! ليتصل بجهاز التلفزيون مما أدى إلى حرمان الأسرة من الإستمتاع ببرامج التلفزيون (الهايفة) لفترات طويلة.. وبعد أقل من ستة أشهر طورت نفسى بجهاز (كومودور128) وفضلته عن (كومودور64) فكنت موقع حسد من زملائى الذين مازالوا فى مرحلة الـ 48 كيلو أما العبد لله فقد سبق عصره ويتبختر فى مساحة من الذاكرة ذات الـ128كيلوبايت فى وقت لم نكن نتوقع أبدا أن يأتى يوما توجد فيه شرائح للذاكرة ذات 128ميجا!.. وبدلا من مسجل صغير لزوم تسجيل البيانات اقتنيت سواقة اسطوانات ذات الخمسة وربع بوصة التى انقرضت الآن بسبب انتشار الديسكيت 3.5 والديسكيت عالى الكثافة وكان (الهارد ديسك) فى علم الغيب حيث تعرفنا عليه فى وقت لاحق عندما كانت سعته تقترب من العشرة ميجا فكان ذلك يمثل طفرة هائلة ولا يمكن وقتها أن يستوعب العقل أن المستقبل يدخر لنا (الهارد) ذو الثمانين جيجا!!!
والآن عندما نستخدم Word أو أى برنامج لمعالجة الكلمات لنكتب رسالة ما ونفتح بجوار الرسالة نافذة أخرى لسماع أغنية أو نافذة ننظر إليها بنصف عين لنشاهد فيلم فيديو فى وقت كتابة الرسالة علينا أن نتذكر هؤلاء الجنود من العلماء الذين قاموا بالتطوير فربما نغار وتصيبنا الحمية فننهض من ثباتنا لنشارك على مائدة العلوم الحديثة ولا نكتفى بالفرجة!

Comments

مقال ممتع جدا يا أستاذ قيسون و عرفت منه حجات لم أكن اعرفها من قبل و باسلوب رشيق و جميل شكرا :)

Posted by: واحدة مصرية | Wednesday, 20 April 2005

The comments are closed.