Friday, 10 June 2005
الليل ونظارته السوداء - يوسف فضل
الليل يضع نظارة سوداء
فكر فيما سوف تكون عليه في الغد .. فالأمس مضى ، واليوم يوشك على الإنتهاء .
بلزاك
" خير اللهم أجعله خير " هذا ما ردده لسان أبو فلان من دعاء وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بعد أن استفاق من نومه مفزوعا مذعورا تنـز بصيلات شعر جسمه نحو الخارج ما استطاعت من ماء مالح . لَإن يعيش الإنسان الشاعر داخل جوف الليل والقمر محاق يجعله يتغزل بجمال اللون الأسود لأن البعض يعتبر أن اللون الأسود هو أساس لون الكون وأن النور طاريء عليه . لكن أبو فلان كان يسبح في مياة بركة حلمه الراكدة وهو يضع نظارة اطارها أسود وعدساتها بلون أسود ويخرج في سكون الليل الدامس مع من يدب على أديم الأرض من بشر وهوام كافة في صعيد واحد ضارعين إلى الله أن يخرج لهم الشمس في الليل وليس القمر فهذا يحتاج إلى تفسير مثلما تحتاج كثير من امورنا الحياتية إلى وقفات تحليلية محايدة !
كان أبو فلان قد دخل في ربوع العقد الخامس من العمر معتادا العيش في أجواء ملبدة بغيوم الغم والقهر والعذاب وهو يضرب الدنيا يمنة فتأتيه الدنيا من اليسار .إن أعظم انجازاته التلقائية هو الاشتراك في مجال الإنتخاب البيولوجي مع أدنى الحيوانات مثل وحيدة الخلية في المحافظة على التوازن البيئي وظهور نتاج المسار الطبيعي التناسلي بتأسيس أسرة من خمسة أبناء لكن التوازن الاقتصادي لم يأت حسب مخططاته . إذ أن التأثيرات الجانبية لخطط مكافحة الإرهاب الأمريكية طالته بأن أنهي عقد عمله مع احدى الشركات الأمريكية العاملة في خليج العم سام (العربي) تحسبا من أن تأخذه (العزة بالإثم) فيفجر نفسه في إحدى المصالح الأمريكية ، وهو يميل إلى الانتحاب لما يحفظ عن ظهر قلب ما يكرس العنصرية للمثل العربي القائل :" يا غريب كن أديب " لكنه رد التهمة بأنه من بني بلجيك ( تيمنا بالشعب البلجيكي القليل العدد والعدة الحربية أثناء الحرب العالمية الثانية لكنه قاوم القوات النازية مدة 13 يوم بينما انهارت فرنسا في خلال 6 أيام ) الذين لا تثق بهم أمريكا .
لم يعد هناك ما يمكن أن يخسره أبو فلان بعد احتراق الكوفية الفلسطينية في ساحات مسرح "نضال السلام العالمي" وأستبدالها بقبعة اليارمولك اليهودية التي أصبحت مثل الأغاني العربية الهابطة منتشرة كزي سياسي يُفتخر بها في كافة أروقة دهاقنة الساسة العرب مع أن ارتدائها من قبل بعض الساسة قد يجلب زيادة قصيرة في طول مسافة أرصدتهم البنكية وكما يتدهقن الساسة في رام الله المحمية بالحرامية الذين يريدون أن يتعلموا شيئا ولن يتعملوا لأنهم يعيشون في اجازة سياسية رومانسية حالمه لكن حالكه أكثر من حلم أبو فلان لأنه لن يتحسن مستوى معيشتهم أو يتطور شعبهم .
من الممكن الحاق الهزيمة مؤقتا بالشعب العربي لكن ليس من الممكن أن يعترف الشعب العربي بالهزيمة ، فالضربات القوية تهشم الزجاج لكنها تصقل الحديد فضلا عن أن مساحة قبعة اليارمولك أصغر من حجم الرأس لكن ألا تُعرف عفونه السمكه من رأسها ؟ أم يطمح الساسة العرب أن يكونوا مجرد وكلاء منتجات التنين الإسرائيلي ، التي تجلب لنا ( المستهلكين العرب ) الأمراض الجسدية والاقتصادية ؟ وهو ما ينطق به الواقع الحالي .ألم يعيشوا طوال الفترة السابقة دون ارتداء قبعة اليارمولك ؟ لكنه ضرب من البله السياسي في التنافس على ارتداء هذه القبعة الذي لا يحتاج إلى تفسير أو مبرر كما يقول المثل الانجليزي : إن العاقل له عينان تبصران ، أما الأبله فله في وجهه تجويفان " وأن اتقاء الشر عندهم قائم على قاعدة " كل شيء حيثما اتفق ". لقد تأثروا بسياسة ازدواجية المعايير الأمريكية فاصبحوا يحرصوا على المال الخاص بهم أكثر من المال العام كما وأن رأس المال المادي لديهم أكثر أهمية من رأس المال البشري بالاضافة إلى الاعتقاد بترسيخ بطولة القائد الأوحد الذي يعرف كل شيء فيطغى على بطولة العمل الجماعي .
أرتد غيظ أبو فلان إلى الداخل جراء فهمه لهذه اللوحة التشاؤمية مما جعله يعاني من ثقل ديناصوري لظل زائر قدم على حين غفلة فاستوطن جسمه ،كما استوطن أبناء التيه وطنه ولم يقدر على مقاومتهم فورث التيه عنهم ، لكنه أخذ يقارع زائر الجسم بحبوب دياتاب لتنظيم سكر الدم .
تتكون سلسلة حياة أبو فلان من حلقات الانتقال باعتزاز المهزوم من مصيبة إلى أخرى ومن عملية نصب عليه إلى أخرى فيرفع أمره للقضاء الشرعي الذي لا زال ينظر في انصافه وهو ينتظر على رصيف العدالة العربية الطويل آملا ليس بارجاع حقه بل بتقصير فترة اجراءات تنفيذ العدالة .
ذهب إلى الامارات لتغيير مسار قدره وختم تأشيرة الاقامة على جواز سفره المؤقت تاريخيا وعربيا والدائم معاناة وبعدا عن النص الإنساني في اتفاقيات أوسلو وحقوق الانسان داعيا وراجيا أن يوفق عديله بافتتاح مشروعه التجاري ليجد له قاعدة اقتصادية لينطلق منها بمسيرة كفاح جديدة ليطرد الفقر ، لكن مشروع عديله التجاري مثل مشروع الحل الفلسطيني تأجل إلى اشعار آخر .
يمثل أبو فلان في حالة التردي العربي الرسمي حالة تكتل لظاهرة ليس لها القدرة على الاستفادة من التجارب وهو يتمتع بفهم غريب عن تسلية الحياة لأن فصوص دماغه مسكونة بتساؤلات مثل " لا أدري متى سيفرجها الله علي ؟" ليس من باب الاعتراض على قضاء الله بل طمعا في استجابة دعائه ونيل رحمة الله . فكر بحل مؤقت لمشاكله بأن يرفع خطاب لقادة السلطة الفلسطينية أو أحد القادة الأسلويين يطلب منهم كرما وليس أمرا أن يعوضوه ببعض المال من ارث رئيس الحرس القديم سبط الزور والبهتان لفاطمة الزهراء ولو ألفوا ألفية كتب حول نسبة وأصله وفصله لما استطاعوا ان يثبتوا نسبة حتى إلى أبي لهب . فقد كان أبو فلان بواعز من ضميره الحي زبونا دائم التردد على دكان اللجنة الشعبية الفلسطينية يدفع نسبة 5% من راتبه الشهري . لكن ما تبدى له لاحقا أن ما كان يدفعه كان باتجاه واحد يؤدي إلى جيوب أولئك من شبابي النار في الشعب الفلسطيني الباحثين بين خراب الوطن عن المصلحة الذاتية وتحقيق الربح المالي . استبعد أبو فلان هذا الحل المؤقت لأنه لا يريد أن يدس يده في عش الدبابير فهو ليس من القطط السمان ولا يحمل بطاقة مقاتل أو مناضل أو مرتزق أو لص لكنه من العامة المسموح لها بالجأر بشكوى الجوع حتى تصله رصاصة شكر طائشة . والفاعل حسابه عند ربه يوم القيامة !
أينما حل أبو فلان حمل معه الهموم والتي تزيد حرارتها عند فترة الظهيرة حين يذهب ليحضر ابنته من المدرسة إلى البيت حيث تكون حركة السير الخانقة في أوجها ومثل مرض السكر المفاجيء جاءته عند تقاطع الطريق الواقع أمام بيته صدمة سيارة أبو علان على الجانب الأيمن للرفرف الأمامي لسيارته . لم يزعج نفسه بالتأفف والتذمر بل حوقل وترجل من السيارة وسلم على أبو علان منتظرا قدوم شرطي المرور . بادر أبو علان شرطي المرور بقوله :" الأجانب يشترون سيارة قرنبع (قديمة جدا جدا ) ويخبطون فيها سيارة المواطنين ". الرد عليه يمكن أن يجلب لأبي فلان زائرا أخرا إلى جسمه أسمه ارتفاع ضغط الدم لكنه آثر الصمت . أكمل شرطي المرور كتابة تقريره عن الحادث محملا المواطن أبو علان نسبة من المسؤولية تصل إلى 100% وطلب شرطي المرور من أبو فلان أن يقيم أضرار سيارته عند ثلاثة ورش اصلاح لتعويضه من المواطن عما لحق بسيارته من اضرار فأخذ أبو علان يجادل شرطي المرور : " وبعيييد ...." التي معناها قليل من ضجيج المفرقعات النارية التي لا تخيف أحد .
من لدية الرغبة بمعرفة شخصية أبو فلان ليخلع عن وجهه قطع الليل ويطالع جريدته المفضلة أو رصيفاتها ليكتشفه أو ربما تكون رحله شخصية للقاريء في كيفية اكتشاف الذات وزمن الغد فما أقصر العمر أما اللحظة التي نعيشها فطويلة جدا .
23:15 Posted in يوسف فضل الله | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this
Friday, 29 April 2005
إفتح قلبك - يوسف فضل الله - فلسطين
في آخر الليل حاول أبو فلان أن يمط جسده المرهق على السرير فوجد نفسه أنه مستقلي في داخل مطبخ البيت أو أن هزة أرضية قذفت أدوات الطبخ إلى غرفة نومة . لم يطل به التفكير إذ عزا هذا الزلزال لأطفاله الصغار الذين يعلبون بادوات المطبخ دون رادع لهم من أم فلان . فهذه ملعقة معلقة على رأسية السرير وتلك مصفاة مدسوسة تحت اللحاف أما تلك القطعة الدائرية من الاستينلس استلس الملقاة في الركن الأيمن السفلي من السرير فهي غطاء طنجرة . اثارت هذه الالعاب العطف والتفهم الأبوي بأن أيدي أطفاله تطال ما يحفزهم على البحث والتغيير . وفي اللحظة التي بدأ سبات النوم يزحف إلى جفونه .....
أبو فلان : اللهم هديء ليلي بسلام و....
أم فلان : أنا من المغضوب عليهم
أبو فلان : حاشا لله ما بك يا امرأة ؟
أم فلان : متى تاريخ ميلادي ؟
أبو فلان : لا أعرف . كم تاريخ ميلادك ؟
أم فلان : مكتوب في جواز السفر .
أبو فلان : تريديني أن أنهض في منتصف الليل وأبحث عن تاريخ ميلادك .
أم فلان : أهذه طريقتك الحضارية في التهرب من إحضار الهدية .
أبو فلان : انتِ تعرفي أنني لا أهتم بمثل هذه الأمور .
أم فلان : الإهتمام عندك انتقائي ولربما تبريري . جاءت مناسبة زواجنا وطنشت . وجاء عيد الفطر وعيد الأضحى ولم تحضر أي هدية . وجاء عيد الشجرة ولم تَعلم عنه . وجاء العيد الوطني ولم تسمع به . وسيجيئ عيد ميلادي ولا أنت هنا .
أبو فلان : هل الاحتفال بالعيد واحضار هدية سيغير شيء ؟
أم فلان : إذا لم يغير شيء عندك فإن المُستَقبِل للهدية (أنا) يعني شيء لي .
أبو فلان : ما الهدية التي تريدينها ؟
أم فلان : أي شيء وردة أو حتى حذاء .
أبو فلان : قيمتك أرفع من الحذاء.
أم فلان : وهل ستحصل على الحذاء بدون فلوس . لربما ستتسوله .
أبو فلان : يا شيخه نامي وإن شاء الله الصباح أتصفح جواز السفر وأحضر لك هدية حسب تاريخ ميلادك . ألقاك في الصباح على خير .
أم فلان : تريد أن تنام بدون حل الوظيفة ؟
أبو فلان : عجيب أمرك يا إمرأة !
أم فلان : لماذا الناس يتزوجوا ؟
أبو فلان : سنبدأ بجدول الضرب وننتهي بقصيدة عتاب ولوعه . على صراحتك هذه يجب أن تعملي مذيعة .
أم فلان : ولماذا لا نذهب إلى برنامج افتح قلبك وخلي جورج قرداحي يقردح لنا حل .
أبو فلان : رأي مقبول . بس بدك ننشر فضائحنا ؟
أم فلان : الدنيا فرص وأنت فرصتي التعيسة التي أريد أن أزعج الآخرين بها .
أبو فلان : الله يجيب هذه الليلة على خير
أم فلان : طيب .......
أبو فلان : بلا طيب بلا بطيخ انخمدي ونامي .
أم فلان : هذا ما أنت فالح فيه مثل الحكومات العربية بياعيين حكي
21:55 Posted in يوسف فضل الله | Permalink | Comments (1) | Trackbacks (0) | Email this
Friday, 15 April 2005
حزب الله يحرس مياه اسرائيل - يوسف فضل الله
كثرة الفراغ تجلب المفسدة وتعلم الإجتهاد لمن أراد ذلك . اعتاد أبو فلان1 في نهاية كل أسبوع لقاء أبو فلان 2 على فنجان قهوة تركية في مقهى كيت كات ودار النقاش التالي بينهما . هذا النقاش سيثير زوبعة غضب معارضة ممن لا يحتسي القهوة التركية .
أبو فلان 1 : المسألة التي تحيرني أنني بين الفينة والأخرى أسمع خبر ناري من وعـن حزب الله .
أبو فلان 2 : شيء طبيعي فهو عامل قلق لإسرائيل .
أبو فلان 1 : معقول ومصدق هذا الكلام .
أبو فلان2 : يعني أنت فاهم أو فهيم بالسياسة ؟
أبو فلان 1 : يا فالح المسألة تؤخذ بالقياس العقلي.
أبو فلان 2 : كيف ذلك ؟ ماذا عندك ؟
أبو فلان 1 : الآن حزب الله عدو لإسرائيل . فلماذا لا يقطع أنابيب ضخ المياة من نهر الليطاني ؟
أبو فلان 2 : كيف لي أن اعرف ؟
أبو فلان 1 : عندما كانت إسرائيل محتلة لجنوب لبنان كانت تحرس هذا الخط لكن بعد أن انسحبت من الجنوب فمن يحرس لها هذا الخط ؟ إسرائيل ركبت الأنابيب لضخ ونقل مياة نهر الليطاني إلى داخل إسرائيل ، ويقع نهر الليطاني في جنوب لبنان ، والجنوب تحت حماية حزب الله . يعني باختصار إن حزب الله يحرس خط المياة هذا . وكل يوم نسمح أن حزب الله يقصف إسرائيل بالصواريخ وهو غير قادر على ضرب خط المياة الذي تحت حمايتة . أم أن حزب الله باتفاقات سرية أو تفاهمات ودية مع إسرائيل من واجبه حماية هذا الخط !!!
أبو فلان 2 : أقرأ علامة التعجب بأنك تكره حزب الله .
أبو فلان 1 : علامة التعجب هذه يمكن حلها بأن يقوم حزب الله بصب 20م3 من الإسمنت على انابيب المياه وتنتهي المشكلة . أو اغلاقها أو تخريبها . وهل يعدم حزب الله الوسيلة لايقاف ضخ المياه من جنوب لبنان إلى شمال إسرائيل . وهناك حل أبسط من ذلك ألا يستطيع حزب الله أن يسمم المياة عبر خط الأنابيب . أنني أتفهم أن لا يقوم حزب الله بذلك بدواعي انسانية لكن هل يسمح حزب الله لأحد ان يبصق في تلك المياة أم ان تلك الأنابيب غير مكشوفة أو معروفة لحزب الله بعد ؟
أبو فلان 2 : أمثالك يحتاجون إلى فتوى شرعية لتكفيرهم على هذه الأفكار.
ابو فلان 1 : يا فالح أنا أنوي أن أعتَمِر عِمَة الفتوى وأفتي من تحتها . هل لاحظت أن معظم العمليات العسكرية لحزب الله تكون في فصل الصيف ؟
أبو فلان 2 : ومعترض على العمليات العسكرية ؟
أبو فلان 1 : طيب لماذا لا تكون العمليات العسكرية في فصل الصيف والشتاء ؟
أبو فلان 2 : هذا يعود لحسابات ميدانية عسكرية لحزب الله .
أبو فلان 1 : يا فالح تكون العمليات العسكرية في فصل الصيف حتى يذهب السواح من لبنان إلى سوريا بسبب أن الوضع غير آمن في لبنان .
أبو فلان 2 : اتق الله يا شيخ .
أبو فلان 1 : فعلا أنا بحاجة لتقوى الله . وكأن تقوى الله هي قدر الضعفاء.
23:15 Posted in يوسف فضل الله | Permalink | Comments (1) | Trackbacks (0) | Email this
Friday, 01 April 2005
سؤال مجنون - يوسف فضل الله
رئيس جمهورية
الأخ العزيز حسام عبد القادر الصحفي لدى مجلة أكتوبر يقوم بتحقيق صحفي إجابة عن سؤال يقول : " ماذا تفعل لو كنت رئيساً للجمهورية ؟" مع أن السؤال مفتوح أي لم يوضح أي جمهورية ؛ عربية أم غير عربية ، وذلك حتى تتحدد رؤيتي كرئيس جمهورية لما أريد أن أفعله من واقع طبيعة الحياة التي تعيشها تلك الجمهورية . مع قناعتي أنه لا توجد جمهورية عربية باستثناء الجمهورية اللبنانية التي إلى حد ما كانت تعد جمهورية سابقا مع أنها قائمة على التوازن الطائفي . ما أقصده بكلمة سابقا : انه بعد 16 عاما من الحرب الأهلية عاد اللبنانيون إلى اكتشاف المعادلة السياسية القديمة حسب دستور لبنان الصادر عام 1943 والذي وضعه الإستعمار الفرنسي " بأن لبنان لا يمكن أن يعيش إلا بطوائفه " أي عدم إلغاء الآخر . فاي جمهورية عربية ، وكل جمهوريات العالم الثالث باستثاء الهند ، هي في واقع الحال دكتاتورية شمولية ، مع أن الدستور للجمهورية وضعه الإستعمار إلا أن الحاكم الدكتاتوري ألغاه وفصَّله لاحقا على مقاسه لحفظ مصالحه الخاصه وللبقاء على كرسي الحكم مدى الحياة في العهد الذي يسمى عهد الإستقلال . لكن والدي يرحمه الله أجاب لي عن هذا السؤال قبل 30 عاما مضت حينما سألني ماذا تريد أن تصبح ؟ أي ماذا تريد أن تكون مهنتك في الحياة ؟ لم أكن أعلم بعد أن عيش مستقبل المواطن العربي الكريم سينحصر بلعب الكرة والتمثيل والغناء والرقص. لكني أجبت والدي :" رئيس دولة " . ضحك مني وعلي وعقب :" هذه المهنة لا تجيب همها ، فان لم يقتلوك بانقلاب عسكري قتلتك هموم الشعب الذي لا يعرف ماذا يريد ". أقنعني جوابه فصرفت النظر عن هذه المهنة ، لكن لا زلت أمتلك المقدرة والرغبة بالإجابة عن سؤال :"ماذا يريد الإنسان العربي من رئيسه ؟" . يريد الإنسان العربي أن يشعر أنه إنسان عادي يعيش في دولة قوية . أهذا كثير؟ أم حقا لا يعرف الرئيس العربي ماذا تريد الرعية منه ؟
الداعية " رقية "
ثارت ضجة إعلامية عندما تولت الدكتورة آمنه عبد الودود ،أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة كومنولت في ولاية فرجينيا الأمريكية ، خطبة وإقامة صلاة الجمعة المختلطة في كنيسة سينود هاوس في مدينة مانهاتن ، نيويورك مما يثير أكثر من علامة استفهام . حتى أن العقيد معمر القذافي تناول الحدث من باب الإتهام والزعم بأنها حائض وذلك في كلمته في قمة الجزائر . وكأن القذافي كان على علم بموعد الدوره الشهرية للدكتورة لآمنه .ماذا لو كانت الدكتورة آمنه في سن اليأس أي لا تأتيها الدورة الشهرية ؟ وكيف يعرف العقيد القذافي أن الإمام الذي يصلي وراءه على طهارة ؟ ألا يعلم العقيد القذافي أن هناك قارئات قرآن في مساجد اندونيسيا التي يؤمها الرجال ؟ لم يثر الحدث استهجاني لأن إمامة المرأة المسلمه لصلاة الجمعة المختلطة ليس بجديد إذ كنت قرأت مقالا للدكتور عبد الرحمن حمود السميط رئيس تحرير مجلة الكوثر الكويتية العدد 65 اصدار مارس 2005 عن الداعية " رقية " والتي أعتبرها جندي إسلامي مجهول حين أسلمت بعد تردد بين الوثنية والنصرانية . وقد استقرت رقية في قرية " أيو " التي يقطنها حوالي خمسة آلاف نسمه وتبعد جنوبا عن عاصمة بنين حوالي 68كيلوا متراً ويعيش سكانها على محصول الكسافا وهو نوع من الخضر شبيه بالبطاطا ولكن حجمه أكبر ويتراوح وزنه بين خمسة وعشرة كيلو ويطبخ مع الفاصوليا ويصنع منه الخبز . اعتمدت الداعية رقية في عيشها على بيع المواد الغذائية في تلك القرية . وبعد حوالي 35 عاما على استقرارها في تلك القرية فكرت في نشر الإسلام بين أهلها رغم أن معلوماتها الدينية لا تتجاوز حفظ سورة الفاتحة ومعلومات بسيطة جدا عن الدين الإسلامي . إذ آمن القليل من سكان قرية " أيو " بالإسلام ، لكنها احتارت في أمرهم فهم لا يعرفون الفاتحة بل لا يحفظونها ولا يعرفون عن كيفية الصلاة . فاهتدت باجتهادها إلى إقامة صلاة الجماعة فيهم بحيث تكون هي الإمام للجماعة التي تضم الرجال والنساء وفي مكان واحد ( ليس داخل كنيسة )فأصبحت بذلك إمام المسلمين في القرية ومرجعهم الديني . يختتم الدكتور عبد الرحمن مقالته " وطلبت مني رقية تعيين داعية يقيم بينهم ويؤمهم في صلاتهم ويعلمهم أمور دينهم بعدما علمت أنها لا يصح لها أن تصلي بالرجال والنساء ".
إمامة الداعية رقية في الصلاة ( ليس يوم الجمعة فقط ) لم يثر الاستنكار إما لأنه حدث في قرية أفريقية ولم يعلم به أحد وإما لأنه يلبي حاجة وبعيد عن الأهداف السياسية . وإذا كانت أمريكا حريصة على مشاركة المرأة لديها في كافة نواحي الحياة فالأولى أن تقيم المرأة الأمريكية صلاة الأحد والقداس . وهل تقيم المرأة اليهودية الطقوس الدينية في الكنيس ؟
سؤال مجنون
كتب جوزف جوف في مجلة Foreign Policy عدد فبراير 2005 مقالا مطولا تحت عنوان " عالم بلا إسرائيل " يسرد فيه فوائد وجود دولة إسرائيل في العالم العربي والغربي منها ؛ لولا وجود دولة إسرائيل لم يكن بالإمكان أن يكون للفلسطينيين دولة مستقله لأنه حتى لو انتصرت الجيوش العربية في حرب 1948م لما أنشأت دولة فلسطينية في ذلك الوقت لأن هدف الجيوش العربية كان الإستيلاء على فلسطين وليس تحريرها . وأن إسرائيل لا تخلق التوترات بل تحتوي العداوات أكثر مما تتسبب فيها . فاسرائيل " دولة اليهود الشجعان " ازدهرت ديمقراطيتها في مناخ عربي معاد للحرية . الكاتب لا يقبل مناقشة فكرة وجود إسرائيل لأن هذا حق لها ولم يتواضع بالقبول بمسائلة إسرائيل عن سلوكها ربما لاعتقاده أن ما فعله اليهود بالشعب الفلسطيني ليس نابعا من كراهيتهم بل من تبرير عقدة خوف اليهود الدائم منهم .
أقول طبعا الشعب الفلسطيني ناكر للجميل بأن أوجدت له إسرائيل دولة مستقلة السجون . وأن اليهود انشأوا دولتهم بسبب التوترات التي خلقها لهم الشعب الفلسطيني الذي صنع المذابح ضد اليهود لأن الشعب الفلسطيني حزب نازي . لذا جا ء اليهود لينشروا في أرضنا ديمقراطية القتل والتشريد . والظاهر للكاتب أن الشعب العربي لم يكن موجوداً قبل نشوء إسرائيل ؟ أيضا الحضارة الإسلامية لم يعرفها العالم إلا بعد نشوء إسرائيل . ما يدخل السرور إلى قلبي أنه قبل موتي اكتشفت بفضل هذا الكاتب بركات إسرائيل . السؤال الذي لم يجب عليه الكاتب ولو من باب البعد الأخلاقي هو طالما أن إسرائيل حسب رؤية الكاتب هي البلسم الشافي الذي يروج له فلماذا لا تداوي إسرائيل جراح الشعب الفلسطيني وتقبله للعيش معها بدولة مشتركة للشعبين . لترينا إسرائيل بعضاً من انسانيتها إذا قدرت ؟ أم أن هذا سؤال مجنون يخاطب ضمير ميت ؟ أم أن الكاتب كريم بالتلذذ بمأساة هذا الشعب ؟ أنسي هذا الكاتب أن يقول لنا بأن المذابح التي حصلت ضد الشعب الفلسطيني هي من نسج الخيال الفلسطيني والدعاية العربية ؟
يستنكر الكاتب الصيغة اللينة " السبب الجذري " القائله بأن الإسرائيلين المتعنتين هم المذنبون الرئيسيون وأنهم لا يريدون السلام . فهو بذلك يمارس ما يذكرنا به سيغموند فرويد من أن الهوس يميل للانتشار " على العرب أن يقبلوا الحقائق الجديدة من وجهة النظر الإسرائيلية فقط " . وكأن الشعب الفلسطيني الذي يعيش معظمه في الشتات قد ترك أرضه بمحض ارادته ولم يطرد منها وانما بإتفاق مع الشعب اليهودي وأن الشعب الفلسطيني لم تكن تحدث له المذابح لو (حرف امتناع لامتناع ) لم يقاوم الإحتلال أي ببساطة أن قدر الشعب الفلسطيني أن يذبح بأيدي اليهود لأن إسرائيل لها الحق بالوجود . حتى أن الكاتب يناكف بأن إسرائيل ليست بجار سيء للعرب وليست بدخيل بل جار يتوجب الترحيب به .
يطرح الكاتب سؤال خبيث جداً على أمريكا :" هل ستقل كراهية العالم الإسلامي للولايات المتحدة إذا اختفت إسرائيل ؟" وهل كانت هناك عداوات بين الولايات المتحدة بل واليهود أنفسهم والعرب والمسلمين قبل انشاء دولة إسرائيل . بل إن الكثير من الجنود العرب والمسلمين كانوا يحاربون مع الحلفاء ضد دول المحور .
أميل إلى اللقاء على أرضية مشتركة مع الكاتب الذي (أختلف معه ) حين يطلب من كل ضمير صاف ( الذي يفتقده الكاتب ) أن يعلن بصراحة ما إذا كانت عناصر العجز العربي ستختفي مع اختفاء إسرائيل ؟ الجواب الجازم لا ، لأن كوارثنا هي صناعة عربية عربية لأننا نعاني من نقص الحرية والإفتقار إلى المعرفة وحركة النمو الاقتصادي . ولو لم نكن كذلك لما أتيحت للكاتب جوزف فرصة طرح هذا السؤال أو حتى التفكير به !!
09:30 Posted in يوسف فضل الله | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this













































































