Friday, 03 June 2005

هل يصل شارون لحكم مصر

يخيل إلىّ أننا ما دمنا بصدد الإصلاح فيجب علينا أن نصلح منظومة الحكم كلها إصلاحا صحيحا يتوافق مع أحدث إصدارات نظم تشغيل الدول الموجودة فى السوق العالمى...فوجود منظومة حكم قديمة مشابهه لإصدارة الويندوز3.3 لإدارة دولة فى حجم وثقل مصر، تتعامل مع نظام عالمى يدار معظمه بأحدث الإصدارات السياسية، لابد وأن ينتج عنه مشاكل لا حصر لها، مثل عدم التوافق مع أى نظم تطوير، وبطء شديد فى التشغيل، وعدم قدرة على استيعاب البرامج الحديثة فى أى مجال، وربما تكون نهاية المطاف أن (تهنّج) الدولة، وتتوقف عن العمل تماماً!!

وأنظمة التشغيل الحديثة، تتمتع بمميزات عديدة، أهمها أن سلطات رئيس الجمهورية تتضاءل فيها بدرجة كبيرة، لأن هذه السلطات تتوزع على مؤسسات الدولة المختلفة، وتخضع لنظم رقابية صارمة، مضادة للاختراق ومحصنة ضد الفيروسات البشرية، وهو الوضع الذى تقل معه أهمية شخص رئيس الجمهورية إلى حد كبير، قد لا يفرق فيه ساعتها إن كان زيد أو عبيد أو نطاط الحيط، فهو فى هذه الحالة مجرد موظف عام لدى الشعب لمدة محددة، يقوم فيها بالتنسيق بين السلطات، وتنفيذ سياسات موضوعة سلفاً من قِبَل مؤسسات متخصصة، ويمكن تطلع فى دماغ الشعب يخصم له يومين من مرتّبه لو ذهب لقصر الرئاسة متأخرا، أو مش حالق دقنه!!..أمّا إذا تركزت السلطة فى يد شخص واحد أو حتى مجموعة صغيرة من الأفراد، كما هو الحال فى النظم القديمة، فلابد وأن يشوب الأداء قصور واضح، و تتباطأ معدلات التنفيذ، لأن الحاكم ليس سوبرمان، أنه أولا وأخيرا بشر له طاقات وقدرات محدودة، حتى وإن كان بطلاً قومياً وصاحب ضربة جوية ساحقة ماحقة لم تصد ولم ترد!.

لهذا ففى تصورى أن تركيز جهود أغلب حركات المعارضة على تغيير شخص الرئيس مبارك فقط تحت شعار (كفاية)، ودون تغيير مُسبق للمنظومة السياسية بأكملها، ودون أن يملك أصحاب الدعوة أى تصوّر لمستقبل ما بعد هذه الكفاية، هو نوع من قصور الرؤية السياسية، حتى لو تمتع أغلبهم بدوافع مخلصة ونوايا حسنة، ولكن منذ متى والنوايا الحسنة وحدها كانت تكفى؟..إن الحركة فى حالة نجاحها فى تحقيق هدفها (الكفاية) سيتعين عليها فى الغالب تشكيل حركة جديدة بعدها تسمى (هه وبعدين؟)..أو حركة (حوسة!).. أو (لايصين وهنعمل إيه؟!).

إن قصورا فى الرؤية إلى هذا الحد قد يصل إلى مرتبة العبث بمصلحة هذا الوطن وأمنه القومى لأن عدم تحديث منظومة الحكم نفسها لن يجدى معه تغيير شخص الحاكم إطلاقا، حتى لو حصلنا على حاكم بأعلى المواصفات والقدرات البشرية..لأننا هنا كأننا ننصّب مثلا أحدث جهاز مالتى ميديا على نظام سوفت وير قديم جدا، ووضع كهذا سيتسبب فى الكثير من الإضطرابات الأمنية الهائلة على المستويين الداخلى والخارجى، مما سينسف معه بالتأكيد أية نتائج طيبة (ولكن بطيئة) وصلنا إليها فى ظل المنظومة القديمة الحالية.

فإذا ما تصور المعارضون أن مجرد تغيير الرئيس مبارك وإنهاء حُكمه سوف يأتى لنا بشخص جديد يكون لديه القدرة وحده على تطوير منظومة الحكم كاملة، وفى نفس الوقت يقوم بتغيير وعى وثقافة أمّة بأكملها!!...يعنى واحد يقوم بالليلة كلها، وكأنه واخد العملية مقاولة تسليم مفتاح!!..فإنهم سيكونون أشبه بالنعامة التى تدفن رأسها فى الرمال، لأنهم يتعامون عن الأسباب الحقيقية لما نحن فيه، الأسباب الكامنة فينا جميعا من تأصل لثقافة القهر والتسلط والديكتاتورية، و تجذرللتعصب القبلى والطائفى،... وحب لنانسى عجرم!

ثم أين هو هذا الشخص؟؟...إن جميع لاعبينا السياسيين المعارضين يبدو وكأنهم قد فوجئوا بموعد المباراة، رغم علمهم بموعدها منذ سنوات!!..فأين كانوا من قبل؟ ..هل آثروا السلامة خوفا من بطش قانون الطوارئ كما يقولون؟..حسب معلوماتى أن قانون الطوارئ مازال ساريا حتى الآن!..فلماذا بدأوا بالتحرك الآن فقط؟..هل كانوا فى انتظار إشارة أمريكا بأنها غير راضية عن نظام الحكم فى مصر؟ وهل هذا يعتبر إقرارا منهم وموافقة بأن أمريكا تمتلك 99% من أوراق اللعب فى المنطقة؟... ألم يسأل أحدهم نفسه ويحلل بدقة لماذا غضبت أمريكا الراعى الرئيسى لجميع حفلات الهيمنة فى المنطقة والتى تنظمها إسرائيل؟

إن تغيير مبارك فى ظل عدم وجود مرشح (جاهز) للرئاسة فى هذا الوقت الضيق، والذى لا يسمح أبداً باختيار سليم لمن يشغل منصباً خطيراً كهذا، يصبح نوع من المقامرة بمستقبل هذا الوطن، فإما أن نفوز بما نتمناه، وهو احتمال ضعيف جدا فى ظل تمسكنا بموروثات عصبية صارخة، وإما أن نلبس خازوقا محترما لا نستطيع الفكاك منه على الأقل لمدة قرن من الزمان، وهو الاحتمال الأرجح!!... وأقول مرشح (جاهز) حتى لا يتبادر إلى الذهن مقولة شلة المنافقين و كدابى الزفة بأنه لا يوجد بمصر كلها من يصلح للحكم غير الرئيس مبارك...ونحن لا نقول بذلك أبداً، ففى هذا تسفيه لشعب بأكمله وتسفيه أكبر لعقل من توجه إليه هذه المقولة، ولكن فقط نتساءل أين هو هذا البديل فى وقتنا الحالى، وكيف سنصل إليه؟!

ولتوضيح الصورة أكثر أطرح سؤالاً...هل من الممكن فى ظل دستور حالى أشبه بلوائح دورى المظاليم، ومنظومة حكم مليئة بالثقوب وكأنها مصفاة طماطم، أن يصل إلى الحكم شخصا سويا يملك الحد الأدنى من المواصفات التى نتمناها فى رئيس مصر، دون أن يزاحمه، ويكسبه، نصّاب أو مُدّعى يخدعنا ويُلبسنا العِمَّة ويجعلنا فى النهاية أقفاص جوافة؟!!.

إن الوصول لكرسى الحكم فى أى دولة فى العالم حتى ولو كانت ميكرونيزيا أو بامبوزيا العظمى لابد وأن يكون من خلال قوة هائلة تدفع شخص ما لهذا الموقع، وفى نفس الوقت تتمكن من حمايته من الإزاحة فى أى لحظة من قِبَل الذين كانوا وسيظلوا يطمعون فى موقعه من فصيلة عبده مشتاق وعزيزة نفسى فيه!!

ولا شك أن أكبر وأهم قوة تمتلك هذه القدرة هى قوة شعب واع بالفكر الديمقراطى ويمارسه فى أدق شئون حياته على مستوى الفرد والأسرة، شعب لا تؤثر فيه النعرات الطائفية، ولا الخطب الحماسية، أكثر مما تؤثر فيه لغة المنطق والعقل، شعب كهذا يستطيع بمنتهى السهولة اختيار رئيسه من بين عدة مرشحين يمثلون مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية، ويعرض كل منهم برنامجه الكامل وتصوراته للمستقبل فى حرية تامة، مع إتاحة فرص إعلامية متساوية وعادلة بين جميع المرشحين لعرض هذا البرنامج بكافة تفاصيله الدقيقة، و تنظيم مناظرات علنية متعددة بين المنافسين وبعضهم البعض، تديرها كوادر إعلامية مميزة، ومن خلال ذلك يسقط من يسقط خلال السباق، ويصل الأفضل منهم إلى كرسى الحكم مدعوماً بقوة الشعب الذى اختاره، فإذا ما اكتشف الشعب فى أى لحظة أنه أساء الاختيار، فما أسهل عزله دستوريا، دون الحاجة لعزرائيل أو تصويره بملابسه الداخلية!.

ولكن فى غياب منظومة تحقق هذا التصور، تصبح قوة الشعب لا محل لها من الإعراب، وتتصدر الساحة قوى أخرى تحاول الدفع بمرشحها بأى طريقة، عبر أى ثقب أو ثغرة تتمتع بها منظومتنا الحالية المهلهلة، وثقافتنا القبلية البالية، والتى يمكن من خلال ثقوبها أن ينفذ شارون نفسه ليجلس متربعا على عرش مصر، بمجرد أن يلعن أبو إسرائيل فى صرختين مدويتين، و يعلن أنه بعد جلسة مع عدلى القيعى اكتشف أنه أهلاوى منذ الصغر، وكان يبكى على حائط المبكى بحرقة لأنه لا يملك فانلة حمراء، وستجد ساعتها من يدافع عنه بمقالات نارية تمجد فى قدراته كصانع ألعاب دولى ممتاز وأنه فى عالم الاحتراف لابد وأن ننسى له أى ميول سابقة !!.

إن ما يحدث فى مصر الآن فى الحقيقة ما هو إلا صراع على السلطة بين هذه القوى التى أقصدها، وهو الصراع الذى يجب أن ننتبه له جميعا، ونحدد أطرافه بدقة، ونضع أيدينا على دوافعه الحقيقية حتى لا يستخدمنا أحد أطرافه لتصفية بقية القوى نيابة عنه!.. و أولى أطراف هذا الصراع هى القوى الخارجية التى لا تعدم وسيلة أبداً لتحقيق مصالحها أولا،ً وقبل كل شئ، سواء كانت الوسيلة مشروعة تحت شعارات براقة، كتحقيق الديمقراطية والعدل و المساواة، أو غير مشروعة كما يحدث بالعراق، بينما هى فى الحقيقة لا تضع مصالح الشعوب فى أجندتها على الإطلاق، فإن تلاقت مصالحها مع مصالح الشعوب فلا ضير، و إن تقاطعت فما أسهل أن تكافئ رموز أى شعب برحلات ترفيهية إلى مصايف أبو غريب، لترفع عن كاهلهم تكلفة الملابس فى ظل هذا الغلاء الرهيب!!.

وعلى المستوى الداخلى هناك قوة الإسلاميين كطرف لا يمكن تجاهله، لأن من المؤكد أنهم لن يجلسوا على مقاعد المتفرجين فى هذه اللعبة، بل أنهم يعلنون صراحة سعيهم للحكم منذ نشأتهم، فلماذا يتقاعسون عن فرض رؤيتهم الآن؟ والتى وإن كانت حتى الآن غير واضحة المعالم لأى متابع، على الأقل بالنسبة لى، إلا أن من يدقق قليلا يجد أنهم فى الحقيقة عدة قوى وليسوا قوة واحدة، وتتباين رؤاهم بدرجة كبيرة، حتى أنهم يختلفون بشدة على الشكل الأمثل لنظام الدولة، بداية من مؤيدى النظام التركى، وانتهاء بمن يفضلون نظام الخلافة!.. ولكن الشئ المؤكد أن عدم اتفاقهم على تصور واحد معلن، يشعرنا بالقلق من احتمال أنهم يخفون تصوّرا يعرفون أنه سيواجه بالرفض، لذلك يخشون إعلانه، أو أنهم لا يملكون أى تصور من الأصل، وسوف يتركون كل شئ على ما هو عليه، مع تقديم أهل الثقة من الجماعة، على أهل الخبرة من خارج الجماعة، و التمسك ببعض المسميات واللافتات الإسلامية فى ظاهرها، دون أى تغيير جوهرى يُذكر، فنصبح كمثل من استبدل بيبسى كولا بمكة كولا، ونام مطمئنا لأنه أصبح من المجاهدين !

أمّا قوى أحزاب المعارضة الموجودة على الساحة فهى بحالتها الحالية مجتمعة لا تمثل وزناً ولا ثقلاً يمكن الالتفات إليه، ولا تملك رصيدا لدى جموع الشعب، فضلا عن أننا لم نر أى منها يطبق نظاماً داخلياً نلمس منه إيمانهم بما يرفعونه من شعارات، و أيا كان السبب فى ضعفهم بهذه الصورة سواء كان الحزب الحاكم كما يدّعون، أو فقر الفكر السياسى لديهم كما يقول المحللون، فنحن لا تهمنا الأسباب حالياً بقدر ما يهمنا أن فى ضعفهم عدم القدرة على الدفع بشخص واحد يتفقون عليه، يحمل فكرهم إلى كرسى الحكم، إلا لو استطاعوا الاتفاق على مرشح يحمل فكراً اشتراكياً، رأسمالياً، ليبرالياً، تقدمياً، أهلاوياً، وزملكاوياً فى نفس الوقت!!.

فإذا أتينا لأكثر القوى المتصارعة خطورة، رغم أنها الأقل عدداً على الإطلاق!!..نجد أنها مجموعة المومياوات المسيطرة على الحزب الوطنى منذ عهد الفراعنة، وتكمن خطورتهم فيما يملكونه من وسائل وإمكانات التسلط وفرض الهيمنة على الشعب المغلوب على أمره، وهم يقاومون باستماتة شديدة أى تغيير للأوضاع، لأن فى ذلك خطر داهم على مراكزهم و مكتسباتهم الناتجة عن بقائهم فى السلطة لعقود طويلة، كانت كافية لأن ينمو كل منهم بتوحش ويتحول إلى مؤسسة شرسة تقتات على الفياجرا حتى تستطيع انتهاك عرض كل من يتعرض لهم فى قلب ميدان التحرير!!.

وأعتقد أن هذه المجموعة الأخيرة هى العقبة الحقيقية فى طريق الشعب نحو عودة الوعى والإصلاح، ولكن لأن الرئيس مبارك لسبب أو لآخر لم يخلص الشعب منهم، حتى أن الآمال التى بناها الشعب مع بداية ظهور ابنه جمال على المسرح السياسى، بأنه سيكون المخلّص المنتظر، ذهبت كلها أدراج الرياح، مما جعل المعارضين يتجهون مباشرة بيأسهم نحو مهاجمة شخص الرئيس نفسه، لأنه الوحيد فى نظرهم الذى يستطيع التطهير و الإصلاح الجاد، ورغم ذلك لا يفعل!!..أو ربما يفعل ببطء شديد تتجاوزه قدره الشعب على الصبر والاحتمال!.. ونحن قد نتفهم دواعى ثورة هؤلاء، ولكن التفهم هنا لا يجعلنا نتجاهل صوت العقل والحكمة الذى يفرض على الجميع التروّى وعدم الاندفاع حتى نجنب الوطن أية مخاطر قد يتعرض لها، كما يفرض علينا أن نوجه جهودا أكبر نحو مطالبة الرئيس مبارك بتنظيف مؤسسات الحكم، نظافة تزغلل!...لنبدأ مرحلة جديدة انتقالية، يعيد فيها الشعب بناء نظامه السياسى المنهار على أحدث نظم مفهوم إدارة الدولة، ويقوم بإعادة تشكيل وعيه حضاريا، من خلال الاستخدام الأمثل لمنظومتى التعليم والإعلام، مما لا يسمح لأى قوة بعد ذلك، غير قوة الشعب، أن تفرض علي الوطن ما هو ضد إرادته، حتى ولو كان الفيفا نفسه!

وتخيلوا لو تجمعت كل جهود القضاة وأساتذة الجامعات وحركات المعارضة على اختلاف توجهاتها من أحزاب وكفاية ولابد ومافيش وترسانة ودراويش، وغيرهم من الفئات الأخرى التى تقف حتى الآن صامتة، لأنها لا ترفض التمديد لشخص مبارك، لكن ترفض التمديد لكهنة كل العصور.. لو أن كل هذه الجهود تجمعت واتخذت كافة الوسائل السلمية الممكنة لتطالب الرئيس مبارك بالإصلاح، طبقا لتصورات شعبية معدّة جيدا، ومدروسة بعناية على يد خبراء ومتخصصين فى كافة المجالات، ومن كافة الاتجاهات، فلن يكون أمام الرئيس سوى الاستجابة لإرادة هذه الجموع، وتخليصهم من الكهنة، أو على الأقل رفع يد الحماية عنهم، بتخليه عن رئاسة معبدهم، ووقوفه محايدا بين جميع القوى والتيارات، تاركا الخيار للشعب..والطماطم بالمرّة حتى نفعصهم بها، وعندئذ سيقول الشعب كلمته فيهم، ويضع نهايتهم بنفسه، ويتخلص منهم بطريقته الخاصة فى أسرع وقت ممكن قبل أن تنضم مصر لاتفاقية حظر رمى النفايات البشرية فى المجارى!.

Monday, 07 March 2005

آه يا شعوب كومبارس - د.سيد ريحان

لا شك أن لشعوبنا العربية دورا فى فيلم الإصلاح السياسى الذى سيعرض قريبا فى دور السينما العالمية وينتظره الجميع بشغف شديد..ولكنه للأسف ليس دور البطولة كما هو الحال فى كافة أفلام الإصلاح التى عرضت من قبل فى جميع أنحاء العالم..ولكنه بلا فخر دور الكومبارس الذى يؤدى أتفه الأدوار سواء كان قانعا بذلك الدور أو رافضا له لا فرق...كل ما يعنيه هو أن يعود إلى بيته فى سلام حاملا بين يديه قوت يومه هو وأولاده..ولكن المثير للعجب أن يتملك هذا الكومبارس شعورا يجعله يعتقد بينه وبين نفسه أنه بطل الفيلم الأوحد ونجم النجوم!!

فقد شاهدنا جميعا على الفضائيات الدعاية للفيلم من خلال كليبّات قصيرة تعرض مشاهد من انتخابات السعودية لمجالسها المحلية مع تصريح لوزير خارجيتها بأن الإسلام لا يتعارض مع تولى المرأة مهام ومناصب سياسية ويبشر بأن هذا العام سيشهد دخول المرأة السعودية إلى العمل في وزارة الخارجية، وهى التى لم يكن مسموحا لها بقيادة سيارتها الخاصة، الآن سيسمح لها أن تقود دولة من خلال العمل الدبلوماسى، ولكن لا عجب فقيادة السيارة أصعب طبعا!!... ثم مشهدا آخر يستعرض صورا متتالية من انتخابات السلطة الفلسطينية وبها أكثر من مرشح، وبعدها لقطات مختلفة من انتخابات العراق المحتل، ثم تأتينا صورة للبرلمان الكويتي وهو يتراجع ويظهر تحمسه لإشراك المرأة في الانتخابات بعد أن تأكدوا تماما أنها ليست مثل الفأر الجربان..!!

ويستمر العرض لنأتى لأكثر المشاهد إثارة، والذى تقترب فيه الكاميرات من الرئيس المصرى حسنى مبارك وهو يعلن فى مفاجأة مدوية اقتراحا بتعديل الدستور المصرى ليسمح باختيار الشعب لرئيسه من بين أكثر من مرشح لمنصب رئيس الجمهورية، وذلك لأول مرّة فى تاريخ هذا الشعب بعد أن كان الاستفتاء على شخص واحد هو المفروض عليه قسرا منذ قيام ثورة يوليو...والانصياع لأسرة بأكملها هو المفروض عليه إجباريا منذ أن خلقه الله!!

ورغم أن فيلم الإصلاح لم يعرض بعد، بل أنه لم يكتمل تصويره أصلا..إلا أننا فوجئنا بالصحف العربية المحلية من مختلف التيارات والاتجاهات تخرج علينا حاملة مانشيتات ضخمة و مقالات نارية كلها تنسب لنفسها دور البطولة فى الفيلم على طريقة أبو العربى -الشخصية الكوميدية المصرية- وكل منها يقسم بأغلظ الأيمان بأنه صاحب السيناريو، والمخرج، بل والمنتج أيضا !!.. ولكن للحقيقة لم يدّع أى منهم أنه صاحب دور الراقصة فى الفيلم!

يقول أحدهم: (.. لقد كان هذا الانتصار نتيجة حالة رفض شعبي متنامي!!!!.... ولولاه ما كان هذا الانتصار الساحق !!!! فلنستمر على الدرب ليتم التغيير المطلوب.. ولا نقف عند هذه النتيجة المتواضعة)!... من يقرأ هذا الكلام يتخيل أن الثورات الشعبية تندلع من كل صوب واتجاه!...أنا أتذكر أن حالة الرفض الشعبى المتنامى الوحيدة التى رأيتها كانت من جموع الشعب الحاضرة فى حفلة باستاد القاهرة لربّة الصون والعفاف والهدوم الخفاف نانسى عجرم عندما رفضت استكمال وصلة رقص مع الغناء متجاهلة حقوق الشعب الدستورية!

الأحزاب الديكورية الورقية الهشة التى ابتلانا الله بها...لم يفتها أن تحشر نفسها فى الصورة (بالعافية) وكأن المشرحة ناقصة قتلى!..فوجدنا أحدها يعلن بكل بجاحة: (..أننا نقوم بنضال متصل ومعارك متواصلة، انحيازنا فيها واضح منذ البداية لاستقلال الوطن وحرية المواطنين، وهذا الانحياز هو البوصلة الهادية لمواقفنا وسلوك أعضائنا، في النقابات و المجالس المحلية والشعبية، في الريف، في المدن، وفي الأحياء الشعبية، حتى توجت جهودنا بهذا الانتصار العظيم) خطابا كهذا يصلح فقط للضحك على مجموعة من الهنود الحمر ذوى الريش على قفاهم..لأن المصريين جميعا يدركون أن أحزاب المعارضة كلها تفوقت على هيفاء وهبى فى جملتها المثيرة " أنا هايفه".

هناك أيضا مجموعة تطلق على نفسها اسم ( كفاية ) لا أحد يعرف عدد أفرادها على وجه الدقة ( يدور حول 300 فرد تقريبا..أى أربعة أشخاص من كل مليون مصرى) لا يملكون سوى موقع على الإنترنت عدد زواره أقل من عشرة أفراد من كل مليون زائر للشبكة يوميا ( طبقا لاحصائيات موقع أليكسا)، مجموعة بهذا الحجم يعلنون أنهم وحدهم أبطال ومخرجى بل ومنتجى فيلم الإصلاح دون منازع !!...وأن ما حدث كله كان نتيجة قيامهم بمظاهرة أمام جامعة القاهرة كان عدد أفرادها يملأ بالكاد أوتوبيس على خط شبرا!...ومن المضحك أن تصريح الرئيس مبارك جعلهم اضطروا لرفع لافتات مكتوب عليها (مش كفاية)!!..وأصبحوا فى حيرة هل يسمّون أنفسهم ( كفاية).. ولاّ (مش كفاية)؟!"

حتى شباب الحزب الوطنى لم يشأ أن يخرج من المولد بلا حمص!!..فرأينا أحدهم يكتب قائلاً: (..أن المبادرات لتعديل الدستور كانت من داخل أركان الحزب الوطنى عن طريق التيار الشبابى الصاعد و المتنامى بشكل رهيب والمتمرد على الجمود السياسى الذى أحاط طويلا بالعملية السياسية فى مصر برمتها وهو ما ظهر جلياً فى المؤتمر السنوى الاخير للحزب الوطنى)....يا سلاااااام. أين كان تأثير الشباب المتمرد السكّرة هذا حتى أسابيع قليلة مضت كان فيها الحرس القديم فى الحزب يتحفنا بتصريحاته يوميا عن عدم وجود نيّة إطلاقا لتعديل أو تغيير الدستور، هل خرج الشباب من مخبأهم فجأة زى عفاريت الليل ليحصلوا على هذه النتيجة فى أيام...صحيح ولاد زى الجن!!

أمّا ما يثير الشفقة فعلا فكان تعليقا لإحدى صحف المعارضة جاء فيه: " و أخيرا.. الحمد لله.. نجح القصف المدفعى على معاقل الطغيان و الاستبداد.. فها هو حاكم مصر ينحنى أمامنا ويعلن تعديل الدستور!! ..فعندما شن حزبنا منذ أكثر من عامين حملته على حكم مبارك، كان يقصف وحده بالكاتيوشا على معاقل الظلم، و تمت محاصرة أهل الحكم بصورة محكمة، وتحول القصف من "الكاتيوشا " إلى قصف بالهاونات متوسطة و بعيدة المدى"...طبعا يشعرك الكاتب هنا أنه يكتب مقاله وهو يلعب على جهاز البلاى ستيشن !!

وهكذا..لم يتوان أحد عن إعطاء دور لنفسه فى الفيلم حتى أننى سألت عم عبده بواب عمارتنا.." إيه يا عم عبده ..ماتكونش انت كمان اللى أقنعت الريس بتغيير الدستور؟...رد علىّ الرجل ببلاهة: " هه؟..دستور إيه؟..آه...يمكن!...ما أنا كل ما بدخل الحمام أزعق وأقول دستور يا أسيادنا...فيمكن سمعنى الريّس وأخد بكلامى"!!

تتجاهل أنت كل محاولات الضحك على الذقون هذه وتحاول بنفسك أن تبحث عن دور للشعوب العربية فى لقطات الدعاية التى عرضت فلا تجد!!..فعلى حد علمى لم أسمع من قبل بأن الشعب السعودى قد طالب بأية حقوق دستورية أو إصلاحات من أى نوع..حتى الوثيقة التى تقدم بها بعض المثقفين السعوديين للإصلاح، تراجع معظمهم عن ما جاء بها إلا ثلاثة أفراد فقط هم الذين ثبتوا على موقفهم...ولم أعرف أن الشعب الفلسطينى قد انتفض فى سبيل انتزاع حقه فى الحكم..لكن كان الله فى عونه فيكفيه الانتفاضة لانتزاع أرضه المسلوبة، وإن كان الأمران لا ينفصلان لأنه عندما يحصل على حقه فى اختيار من يحكمه سيكون طريقه أقصر فى سبيل الحصول على حقه فى الأرض بعيدا عن حكام قد يبيعونه هو والأرض فى شوال واحد!

أمّا الشعب السورى الذى توراثه حكامه كما تورث..قطع الأثاث..(ولا أقول شيئا آخر احتراما لهم).. فلم نسمع أنه صوّر مشهدا إصلاحيا فى مسلسل أو سهرة كوميدية أو حتى صورة ستة فى تسعة!! ..ولكن حتما سيفرض عليه الاشتراك فى الفيلم الكبير قريبا جدا، فمازال المخرج فى حاجة لمجاميع يكمل بها تصوير الفيلم!.

إلى هنا والسؤال يفرض نفسه...من هو منتج الفيلم ومن هو المخرج مادام كل هؤلاء لا ناقة لهم ولا جمل فى هذه الحدوتة؟....هناك دلائل منطقية كثيرة تشير إلى أن المنتج وصاحب فكرة الفيلم هو الضغوط الخارجية على الشعوب والحكام معا..فمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة للعالم أشبه بإحدى مناطق العشوائيات التى تطل على نيل القاهرة العظيم...وعندما تقرر محافظة القاهرة تجميل الكورنيش تصبح تلك المنطقة كالصداع فى رأسها...فهى فضلا عن منظرها الذى يؤذى البصر فهى بؤرة يخرج منها المجرمون من كل شكل ولون ليصبوا جام غضبهم على بقية أفراد المجتمع الذى تركهم نهبا للجوع والفقر والمرض.

حكام العشوائيات..أقصد حكام الشعوب العربية يستطيعون القيام بإخراج الفيلم بمنتهى السهولة إذا ما انحازوا لشعوبهم وقاموا بالتخلص من النفايات البشرية الموجودة حولهم من المنافقين ومستشارى السوء، الذين جثموا على صدور الشعوب سنينا طويلة أذاقوه فيها مر العذاب، وسواء كان ذلك يتم بعلم الحكام أو فى غفلة منهم، فإن الشعوب العربية على استعداد لأن تغفر لهم كل شئ بل وترفعهم على الأعناق كأبطال شعبيين إذا ما خلصوهم من هؤلاء المجرمين، وبعدئذ يتكاتف الجميع للنهوض بهذه المنطقة والخروج بها من ظلام وعار العشوائيات إلى أعتاب الحضارة...أما إذا ظل الحكام على حالهم متمسكين برموز السوء حولهم فلا يلوموا إلا أنفسهم لو شاركت جموع الكومبارس مخرجا آخر فى تنظيف الأستوديو كله من (الزبالة)!.