Friday, 29 April 2005
ثقافتان ومنظومتان من القيم - د. حمدي الحناوي
فى فترة نتطلع فيها إلى تغيير سياسى واجتماعى جذرى، يجدر بنا أن نراجع ما نسميه ثقافة المجتمع. وفى هذا السياق يبدو واضحا أن المجتمع لا يتبنى ثقافة واحدة وإن كان البعض لا يرى تلك الحقيقة. لا يبدو الفرق واضحا حين نتكلم عن الديموقراطية. ولكنه يتضح بجلاء حينما نتناول قضية حساسة مثل الزواج العرفى. بهذه المناسبة كتب البعض عن هند الحناوى فى "الوعى المصرى" دون أن يضعوا أيدينا على السياق الاجتماعى لقضيتها. اكتفى هؤلاء بالتهكم، ولم يروا خيوطا تربطها تلك القضية الشخصية بقضايا المجتمع. الأمر فى نظرهم لا يعدو أن يكون علاقة جنسية عابرة أثمرت طفلا. حدث روتينى صغير يتكرر مثله فى الحياة ملايين المرات دون أن يترك أثرا يستحق الذكر. لكن هناك رؤية مختلفة، حيث تابع الإعلام ما حدث وعرض جدلا ومناقشات لم يمل الناس منها عاما كاملا حتى الآن.
لا يرجع هذا إلى أهمية أطراف القضية فهم أفراد عاديون. صحيح أن أحدهم ممثل معروف وينتمى إلى عائلة من الممثلين لكن هذا لا يغير الصورة كثيرا، خاصة وأن هذا الممثل وأسرته نالهم نقد مرير بسبب موقفهم الذى استنكره معظم المتابعين للأحداث. يرجع السبب فى اعتقادى إلى أن الزواج العرفى صار يمثل ظاهرة لا يمكن تجاهلها، وأن هند وأسرتها لم يتخذوا الموقف التقليدى بل تعاملوا مع الموضوع بأسلوب مختلف.
وقد كنت أعتبر هذا الزواج نوعا من التمرد الساذج، إلى أن وصل إلى بيتى وفوجئت بابنتى منضمة إليه، وفوجئت بها تتعامل مع زواجها العرفى بجدية. واضح أنها رفضت أن تحتاط لمنع الحمل ثم رفضت إجهاض الحمل بعدما حدث وبعد تنكر الطرف الآخر لها. وحين جاء وقت الحساب لم أجد أمامى طفلة ساذجة بل امرأة تقول أنها لن تضحى بأمومتها لمجرد أن أب جنينها يرفض الاعتراف به. لم تزعم أن رجلا ضحك عليها بل قالت أنها أقامت العلاقة بكامل إرادتها. يجب أن أعترف أيضا بأنها لم تجئ إلينا منكسرة أو منهارة بل جاءت متحدية تقول أنها ستغادر البيت إذا كنا لا نريدها. سيقول البعض يالها من بجاحة، ولكن هذا تبسيط مخل.
الواقعة بهذه الصورة كانت تستدعى موقفا من جانبى. وموقف الأسرة يجب أن يتسق مع موقف المجتمع. ولكن ما هو موقف المجتمع؟ الأمر لا يتحمل الهزر الذى يتكلم عن DNA للكلاب أو "اللوم على هند". بعض الناس يرون عارا لا يغسله إلا الدم. وآخرون يتنكرون لبناتهم ويطردونهن من البيت كما قرأنا عن أب كويتى منذ أسابيع. وتحسبا لهذا تنتحر بعض البنات، أما غالبيتهن فيهربن إلى الإجهاض والترقيع، وبعد هذا يتزوجن كما لو كن أبكارا لم يمسسهن سوء. وكانت هند تستطيع أن تفعل مثل هذا لكنها شعرت أن احترامها لنفسها سينهار، وأنها لو فعلت هذا لوضعت نفسها فى موضع امرأة ساقطة. وهكذا تعاملت كأم محترمة تحمى جنينها وتدافع عنه وعن نفسها، وبهذا كسبت احترامى.
أعيد حساباتى وأتساءل ماذا كان على أن أفعل؟ لقد فعلت ما يرضاه ضميرى ولم أقبل حل المشكلة على حساب جنين أو طفل لا يملك الدفاع عن نفسه. وجدت أما صغيرة تتحمل مسئوليتها بكل ضخامتها ورجلا يتهرب، وقررت أن أرغمه على تحمل مسئوليته. لا يتصور أحد أن الرجولة هى القدرة على مضاجعة امرأة. الرجولة شهامة ونجدة. هنا حالة ثقافية، والسؤال المطروح ما هى القيم التى يجب أن نتمسك بها؟ أنا لا أضخم حالة عبثية، ومع هذا أتساءل لم لا نحيل العبث الذى يملأ حياتنا إلى سلوكيات جادة ومسئولة؟ ألسنا نتطلع إلى تغير إيجابى فى حياتنا؟ صحيح أن التغير الذى نسعى إليه ليس الزواج العرفى، ولكنى لم أخترع هذا الزواج ولا ينصح أب ابنته بالزواج العرفى، ولم يكتشف معظم آباء البنات المتزوجات عرفيا زواج بناتهم. والمؤكد أن من اكتشف هذا لم يوافق عليه. والبنات اللاتى سلكن هذا الطريق لسن مراهقات أو جاهلات بل هن على مستوى عال من التعليم ويعرفن بالتأكيد مغزى ما يفعلن. فهل نقتلهن؟
ثمة خطأ ما فى ذلك شك، ولكن ما هو الخطأ بالضبط؟ وكيف يمكن إصلاحه؟ لا نكتفى بالإدانة لأنها لا تحل أى مشكلة. إذا كنا نتحدث عن الوعى فالوعى لا يتجزأ، وهو ليس إلماما بمصطلحات عن الديموقراطية والاستبداد والنظم العادلة. الوعى مسئولية عن الأفعال، والمسئولية تجاه القرين هى مسئولية تجاه المجتمع، سواء كان القرين زوجة رسمية أو عرفية أو مجرد صديقة. المشكلة لا تخص الفيشاوى ولا تخص هند، بل تخصنا جميعا. ما هو موقفنا تجاه آلاف الشبان والفتيات اللاتى تزوجن عرفيا؟ هل ندين الفتاة ونسمح للشاب أن يتفاخر بفحولته؟
سأفترض على سبيل الجدل أن علاقات عابرة تنشأ وتنتهى، فكيف نعالج آثارها؟ هل نوافق على الترقيع وأن يجلس بعده رجل مخدوع يضع يده فى يد مأذون يقول البكر الرشيدة؟ وماذا نفعل فى آلاف الأطفال الذين يولدون وتتركهم أمهاتهم أو آباؤهم على أبواب المساجد أو فى دورات مياهها؟ يسميهم المجتمع أيتاما ويعترف الآن بعيد سنوى لهم فى أول إبريل من كل عام. ولكن ما هو الأفضل للمجتمع؟ أن يعترف كل أب بابنه سواء جاء من علاقة شرعية أو غير شرعية أم يضيفه إلى طابور الأيتام؟
هل ندعو المجتمع للتنازل عن قيم الشهامة والنجدة وتحمل المسئولية؟ هل ندرك أن تسامح المجتمع مع الرجل هو دعوة إلى ممارسة الرذيلة؟ لماذا نسخر من امرأة تعترف بخطئها، وتتحمل المسئولية عن نفسها وعن رجل لا يقوى على تحمل مسئوليته؟ ولماذا تسخر منها نساء مثلها؟ يظن أولئك النسوة أنهن يدافعن عن الفضيلة، والحقيقة أنهن يجارين المجتمع فى استرخائه وتنازله عن الفضيلة لصالح الرجل لكى يتمسك بها فقط فى مواجهة الأنثى.
والآن، أستعير مما نشرته فى "صوت الأمة" فى 17 إبريل، أن ما نسميه ثقافة المجتمع وقيمه إنما هو فى الواقع ثقافتان ومنظومتان من القيم. ثقافة ترفض التستر وتؤمن بأن الخطأ لا بد من تصحيحه بعد الاعتراف به. وثقافة أخرى تقبل ارتكاب نفس الخطأ سرا ثم تقبل التظاهر بالشرف. أين الفضيحة هنا؟ وهل يمكن التوفيق بين الثقافتين؟ كلتا الثقافتين نابعتان من قلب المجتمع، ولكن إذا تحدثنا عن ثقافة المجتمع فأى الثقافتين نقصد؟ وأيهما نريد أن تسود؟
22:50 Posted in د. حمدي الحناوي | Permalink | Comments (29) | Trackbacks (0) | Email this













































































