Friday, 03 June 2005

من يصرخ أولا - أسامة الهتيمي

لم يتحمل النظام السياسي في مصر أن تتحرك المعارضة المصرية في إطار المتاح لها في لحظة تاريخية صعبة أكثر من شهرين على أقصى تقدير فبعد أن استشعرت العديد من القوى السياسية أن النظام المصري استيقظ وأدرك حقيقة الموقف الشعبي من تقييمه وان معدلات الرفض وصلت إلى أعلى تقديراتها خلال 24 عاما من حكم مبارك وهو ما سيدفع النظام إلى السماح بتوسيع هامش الحرية في محاولة لامتصاص غضب الشارع وتفريغ طاقات الرفض عن طريق المظاهرات والمؤتمرات والمسيرات السلمية داخل النقابات والجامعات ومقرات الأحزاب والأماكن المغلقة - وهو ماحدث لفترة زمنية قصيرة - ، فؤجئت هذه التيارات بعكس ما كانت تتوقع وتنتظر من النظام الذي خسر في تقديراتها بتصرفاته هذه الشكل الجمالي الذي كان من الممكن أن يتجمل به باعتباره نظام ديمقراطي يتيح حرية الرأي والتعبير ويسمح بوجود منافسة حقيقية وشريفة مع الحزب الحاكم .
لكن النظام أصر على أن يظهر على حقيقته وبصورته الواقعية دون تزييف أو مداراة في وقت أحوج ما يكون فيه إلى هذا التزييف حتى ولو من باب مواجهة الضغوط الأجنبية وخداعا لوسائل الإعلام المسلطة عليه في هذا الظرف التاريخي .
غير أن إصراره هذا جاء كتأكيد لدرجة الغباء اللامتناهية التي أصيب بها النظام السياسي لتشكل حلقة جديدة من حلقات التصرفات والسلوكيات السياسية الغبية في سياق الإنهيار الوشيك الذي لاح في الأفق لكل المتابعين لتطور الأوضاع في مصر .
فالوضع في مصر وصل إلى درجة كبيرة من التوتر والاحتدام لم تشهد له مثيلا خلال سنوات طويلة واصبح الأمر خلال الشهور الأخيرة بخلافه منذ عام تقريبا فقد تحطمت الكثير من الأصنام وانتهكت العديد من التابوهات أو ما كان يعد تابوها لا يمس ولا يقترب منه وارتفع سقف المعارضة إلى الدرجة التي أصبح ينتقد فيها رئيس الجمهورية بكل جرأة وصراحة بل أصبح المسئول الأول عن كل انهيار وتراجع في البلاد وهو ما لم يكن موجودا في أي مرحلة من المراحل على جدول المعارضة المصرية التي كان عرفا بينها انتقاد الحكومة ورئيسها وعدم التجاوز إلى رئيس الجمهورية حتى استغل الوزراء ورؤساء الحكومات ذلك العرف فرددوا جميعا أن ما يقومون به ما هو إلا بناء على توجيهات السيد الرئيس بل وصل الأمر بأحدهم إلى أن يعتبر نفسه سكرتيرا عند رئيس الجمهورية .. ولم يقتصر الامر عند هذا بل تطور وامتد للدرجة التي تعالت فيها الأصوات لأول مرة في تاريخ وزراء ورؤساء الحكومات ذلك العرف فرددوا جميعا أن ما يقومون به ما هو إلا بناء على توجيهات السيد الرئيس بل وصل الأمر بأحدهم إلى أن يعتبر نفسه سكرتيرا عند رئيس الجمهورية .. ولم يقتصر الامر عند هذا بل تطور وامتد للدرجة التي تعالت فيها الأصوات لأول مرة في تاريخ وزراء ورؤساء الحكومات ذلك العرف فرددوا جميعا أن ما يقومون به ما هو إلا بناء على توجيهات السيد الرئيس بل وصل الأمر بأحدهم إلى أن يعتبر نفسه سكرتيرا عند رئيس الجمهورية .. ولم يقتصر الامر عند هذا بل تطور وامتد للدرجة التي تعالت فيها الأصواتيد ليعرفوا قيمة ما كانوا عليه وأنهم كانوا يحيون عصر الحرية والديمقراطية ذلك العصر الذي لم تغلق فيه صحيفة ولم يصادر خلاله قلم .
وبهذا فستعود المعارضة للبدء في الحلقة من جديد وبدلا من أن تهاجم وتنتقد رئيس الجمهورية وتطالب بتنحيه فستكون أولوياتها هو الحصول على حقها في الوجود واعتبارها ككيان له حق الحياة .
المرحلة القادمة إذن هي مرحلة الموت أو الحياة فالنظام سيشد الحبل إلى أقصى درجة وسيستميت في الدفاع عن نفسه مستخدما كامل أسلحته القمعية والإغوائية والدعائية في الوقوف أمام هذه الحفنة الضالة والمضلة التي استخدمت مناخ الحرية أسوأ استغلال من أجل إثارة البلبلة والفوضى وتعطيل مسيرة التنمية التي وضعت مصر فى المرتبة 120 على قائمة تقارير التنمية البشرية في العالم فجاءت بعد عدة دول أفريقية كانت تحيا في قمة التخلف الاقتصادي والسياسي .
ستشهد مصر إن لم تكن قد بدأت فعلا عمليات اعتقال بالجملة من كافة التيارات والقوى السياسية والمشبوهين الذين لم يشرفوا بأن يكونوا من أصحاب الملفات والتقارير في أجهزة مباحث أمن الدولة .... وستلفق القضايا للعديد من قيادات الحركة الوطنية إن لم يكن بهدف السجن والاحتجاز فليكن من أجل الاستنزاف والإشغال ...ستعقد الصفقات وتعرض المنح والعطايا من أجل شراء الزمم والضمائر وحبك عمليات التأمر والتخريب داخل التيارات والقوى السياسية الصامدة .... لن يذق رجالات النظام النوم خلال المرحلة القادمة حتى يحققوا مآربهم ويطمئنوا إلى عودة الأمور إلى نصابها .. فهل تستسلم المعارضة ؟ وهل يمكن أن تفرط فيما حققته عبر تضحياتها ؟ فطارق غنام لن يكون آخر شهداء الديقراطية كما يحلو للبعض أن يسميه بل هو البداية فهل سيكون عند هذه المعارضة القدرة على الاستمرا في مسيرة تقديم التضحيات حتى تحقق هدفها وينعم المصريون بحياة الحرية ؟.
في تقديري أن شرارة الاحتراق الأولى انطلقت ولم يعد هناك من يستطيع منع حدوث فعل التغيير وهذا ما لم يدركه النظام ويتعامل معه بغباءه الذي أشرنا إليه آنفا ... فقط المزيد من الصبر والعمل الذين سيكونان الفيصل الرئيسي في أن يصرخ أحد الطرفين قبل الآخر .
تناقض غبي
حقيقة ثبت أن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم أضعف حزب سياسي في مصر على الرغم من كل الإمكانيات والمقدرات المالية والمادية والبشرية التي تتيح له أن يكون أكبر حزب عربي عدة وعتادا ... فقد خرجت عناصر الحزب أو الذين من المفترض أن يكونوا عناصره لتشارك خلال الأسابيع الماضية في مسيرات تأييد ودعم لإعادة انتخاب مبارك لولاية خامسة حيث سعت للتواجد في نفس الأماكن التي تتجمع فيها قوى المعارضة لتضرب عصفورين بحجر واحد أولهما التضييق على المعارضة وتضييع فرصة الاحتكاك بالجماهير وثانيها الظهور وكأن آلاف المصريين خرجوا يعلنون دعمهم للرئيس مبارك ضد الحركات المناوئة لإعادة انتخابه ... فكان ما قام به الحزب سوءة جديدة تضاف إلى سجل السواءات التي لطخت العمل السياسي في مصر فلم تكن تلك العناصر المختارة أو المكلفة بالمهمة إما نظير أجر يومي كشفت عنه الكثير من المصادر الصحفية أو نظير وعود وظيفية مرتبطة بالعاملين في الشركات والمصانع التي جاءوا عبر سياراتها الخاصة أو حتى وعود للكثير من الشباب الغلابة لم تكن هذه العناصر على قدر من الفهم والوعي السياسي الذي يؤهلها للتعامل مع الموقف دون افتضاح أمرها فردد هؤلاء من الهتافات التي تسئ للنظام أكثر مما تفيده والتي ربما يخجل النظام ذاته منها عند سماعه لها .. وحاول بعض هؤلاء الاشتباك والاحتكاك بالمعارضة ما أعطى انطباعا سيئا أمام وكالات الأنباء والفضائيات العربية عن هذه العناصر حتى أن البعض اعتبر هؤلاء من البلطجية والفتوات والعاطلين المستأجرين نظير مقابل مادي .
وزاد الطين بلة بأن قام هؤلاء المدافعين عن مبارك ونظامه باتهام قوى وحركات المعارضة بالعمالة وتلقي التمويل الخارجي من أمريكا وأوروبا في حين تناسى هؤلاء ما يردده مبارك ذاته ليل نهار عبر وسائل الإعلام الرسمي المختلفة عن عمق علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية وصداقته الحميمة مع الرئيس جورج بوش فضلا عن استضافته لرئيس الوزراء الإسرائيلي إرييل شارون وكأنهم بذلك قد أغشيت عقولهم .
ولا شك في أن هؤلاء برغم كل هذا لم ينطقوا عن هوى وإنما كان ما رددوه معدا سلفا ومتفقا عليه بل أعتقد أنه قد تم التدريب عليه خلال بروفات هزلية سبقت كل عرض وفي ذلك إشارة جديدة على الغباء والتناقض فلو أن هناك من يمكن اتهامه بالعلاقة مع أمريكا وتلقي الدعم من الخارج فليس أكثر من النظام ذاته الذي يتشدق بمتانة علاقته بأمريكا .
لذلك فقد أثبت الحزب خلال هذه التجربة أنه حزب هش وضعيف .. ربما يضم عدد كبير بعضوية الاستمارة وتولي المناصب والمواقع السياسية والوظيفية لكنهم الأعضاء الذين ليس لديهم استعدادا للمارسة السياسية من منطلق الإيمان بما يطرحه الحزب فالأمر لا يعدو مجرد تحقيق المنفعة والمصلحة الشخصية .
إن كل مصري يمكن له أن يتوجه بالسؤال إلى أحد قيادات الحزب الوطني أو كوادره النشطة عن برنامج الحزب وأفكاره الرئيسية ليتأكد بعدها أنه لا برنامج ولا أفكار والأمر برمته يعود إلى خيارات النظام الذي يتحرك وفق رؤيته الخاصة دون حتى استطلاع آراء أعضاء وقواعد الحزب الحاكم .
وما وصل إليه الحزب الوطني من تدني هو جزء من خطة النظام في إضعاف الحياة السياسية في مصر التى تتحقق بتهميش دور الأحزاب ومنها الحزب الوطني الذي يمكن أن يشكل بفاعلياته حتى لو اتفقت مع ما يطرحه النظام إلى تفعيل الحياة السياسية وهو مكمن الخطورة ... فكان الإضعاف الذي أول من تضرر منه هو النظام نفسه الذي عندما احتاج إلى دعم الملايين من أعضاء الحزب اكتشف أنه لا حزب ولا يحزنون وأن الأمر برمته مجرد أسماء على ورق .
أيمن نور
أصاب بنوبة شديدة من الضحك تعقبها نوبة من الضيق والضجر عندما أجد بعضا من الناس السذج يتحدثون عن المعركة الطاحنة بين النظام والدكتور أيمن نور ثم ينسحبون لتفسير ذلك بأن نور ينافس مبارك وأن النظام يخشى من تفوق نور ... وكنت وما زلت أؤقن - مع احترامي للدكتور أيمن برغم الاختلاف معه - أن النظام ذاته ساهم وبقدر كبير في تلميع الدكتور أيمن وجعله أسطورة تصور للناس إمكانية منافسته وتفوقه على الرئيس مبارك في المعركة الانتخابية على الرئاسة ولولا ذلك الدعم الأمريكي المفاجئ لنور لاستمر النظام نفسه في سياسة التلميع هذه حتى يصنع بطلا من ورق يمكن الانتصار عليه وهزيمته وفي ذات الوقت يتم تصوير الأمر وكان النظام قبل المنافسة الشريفة على موقع رئيس الجمهورية .
إن النظام لو رغب في في عدم السماح بخروج حزب الغد برئاسة نور منذ البدء لفعل ولن يزيد الأمر عن كونه رفض إنشاء حزب سياسي من بين ما يقرب من سبعين حزب تم رفضهم من قبل ... لكن النظام - مع علمه الكامل بقدرات الحزب ورجالاته وإمكانياته المادية - وافق على تأسيس الحزب وبعدها بشهور قليلة حدثت الأزمة بين النظام وحزب الغد التي احتجز نور على أثرها على ذمة اتهامه بالتزوير وهي التهمة التي يتوقع خبراء القانون سقوطها ... ليس من المنطقي إذا الحسم في تحليل ظاهرة أيمن نور لكن من غير المنطقي اعتبار أن ما حدث هو ما يصوره نور نفسه فالدكتور ايمن والنظام يدركان جيدا حجم الدعم الشعبي وقبول الشارع المصري لنور أو لبرنامج حزبه وهو ما يؤكد بحسم عدم امتلاك الرجل لما يمكن أن يكون تهديدا للنظام أو حتى إمكانية تشكيل ضغط عليه .
لقد تصور نور وحزبه وبعض المخطئين في التحليل أن رد الفعل الحكومي هذا تجاه أنشطته وتحركاته ينبع من قلق حقيقي وتخوف له أسبابه من حزب الغد مما يؤكد لدى هؤلاء أن نور وحزبه يمكن أن يكونا فرس الرهان المقبل عند الأمريكيين أو الاتحاد الأوروبي ...
غير أنه لا يمكن مطلقا تفسير رد الفعل الحكومي أو النظامي القمعي - إن جاز التعبير - إزاء أنشطة الحركات والقوى السياسية بهذا التفسير وإلا لما حاصر النظام نشاط حزب العمل وجمد حركته وأغلق صحيفته طوال خمس سنوات ماضية وما ضيق على التيارات اليسارية ضعيفة العدد والعتاد وما اعتقل ألآلاف من عناصر جماعة الإخوان المسلمين .
النظام يخشى من نفسه ووصل إلى درجة من الرفض العام لأي صوت مخالف فلم يعد يطيق أو يقبل أن ينازعه أحد أو أن يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها وتعارفت عليها الحركات السياسية حتى لو جاء ذلك عبر حزب ساهم هو في صنعه وتقديمه للجماهير.
دعاية مستفزة
وأعجب من هذه المسخرة الحادثة هذه الأيام في التلفزيون المصري .. نعم ربما ليست جديدة لكنها تزايدت هذة الفترةالأخيرة إلى الدجة التي تجعلك في حالة من القرف والرغبة في القيام بكسر التلفاز الذي تشاهده... برامج حوارية ونقاشية كثيرة واستضافات بالجملة للعديد من الشخصيات السياسية والأكاديمية - من غير المغضوب عليهم طبعا - ليدلوا بأراهم وليعبروا عن مضامين أفكارهم في إطار التأكيد على الحرية والتغيير الذي هلت بوادره ... غير أنك تفاجأ بهذه الشخصيات التي تظهر مستأسدة عبر مقالاتها التي تنشر في صحفها مجرد فئران ضعيفة وذليلة على شاشة التلفاز وكأن المسئول الحكومي أو بوق النظام قد سحر لها فحولها من شخصية كلمنجية إلى رجل متلعثم وخجول غير قادر على الرد على أقل ما يثيره هذا المسئول عبر حوار النفس هذا .
ولعل ذلك السلوك الخبيث كان واحدا من الأدوات التي استخدمها النظام عبر مراحل مختلفة لخداع جماهير البسطاء والرد بها على واحد من ملامح قليلة تشير إلى أن نظامنا السياسي كان يتحلى بقدر من الذكاء في مراحله السابقة .
لكن ذلك السلوك لم يعد قادرا على استمرار خداع الجماهير فالشارع المصري يعرف جيدا ما هي معايير اختيار الشخصيات المستضافة ومن يواجهها وكيف يمكن احاطتها الى الدرجة التي تفقد معها صلاحيتها وقدرتها على الرد ... فضلا عن أن الكثيرين من هؤلاء المحسوبين على المعارضة ما هم إلا جناح ديكوري لاستكمال الشكل يمكن أن يرتضوا بالفتات .
مبارك وأمريكا
ما زال نظام الرئيس مبارك هو الأجدر على أن يكون عونا للإدارة الأمريكية في إدارة أزماتها المستفلحة في منطقة الشرق الأوسط والتعامل مع أخطر الملفات في العالم ومنها القضيتين الفلسطينية والعراقية ... وهذا ما يدركه الجميع أمريكا وغيرها وما زيارة عمر سليمان وجمال مبارك ومن بعدهما رئيس الحكومة أحمد نظيف إلا من باب التذكير بالشئ الذي لا يعتقد أبدا أن البيت الأبيض غفل عنه للحظة واحدة .
غير أن الإدارة الأمريكية تنظر للقضية بنظرتين الأولى أن النظام المصري في عهد مبارك قدم خدمات جليلة لا يمكن مناقشتها ومازال قادرا على العطاء في هذا الاتجاه أو على أقل تقدير فإنه لا يتوقع أن يخرج عن الإطار المرسوم من قبل الإدارة الأمريكية خلال المرحلة القادمة وإن كاالإدارة الأمريكية تنظر للقضية بنظرتين الأولى أن النظام المصري في عهد مبارك قدم خدمات جليلة لا يمكن مناقشتها ومازال قادرا على العطاء في هذا الاتجاه أو على أقل تقدير فإنه لا يتوقع أن يخرج عن الإطار المرسوم من قبل الإدارة الأمريكية خلال المرحلة القادمة وإن كاالإدارة الأمريكية تنظر للقضية بنظرتين الأولى أن النظام المصري في عهد مبارك قدم خدمات جليلة لا يمكن مناقشتها ومازال قادرا على العطاء في هذا الاتجاه أو على أقل تقدير فإنه لا يتوقع أن يخرج عن الإطار المرسوم من قبل الإدارة الأمريكية خلال المرحلة القادمة المتحدة وهو ما رسخ الكراهية والرفض لأمريكا فضلا عن النظام .. وهذا ما يدفع البيت الأبيض إلى السعي لإحداث انفراجة ديمقراطية في مصر تسمح للمصريين باختيار حكامهم وتحديد آليات العمل السياسي في الوقت الذي يجب أن يتحرك فيه الأمريكان لضمان أن البديل لن يكون معاديا للمشروعات الأمريكية التي تستهدف الحفاظ على أمن إسرائيل ... ولعل ذلك هو ما يفسر دوافع الضغوط التي يمارسها الأمريكان على مصر في الشهور الأخيرة من أجل الدفع بعجلة الديمقراطية والسماح بأن يدلي عدد من متخذي القرار بتصريحات في هذا الاتجاه في حين لم يعلن الأمريكيون صراحة عن رغبتهم في تنحي نظام مبارك ... فمبارك ليس مرفوضا لشخصه وحبذا لو جاءت به الانتخابات الرئاسية .
المعارضة وأمريكا
لقد انتهزت أغلب الأحزاب السياسية العلاقة الوطيدة بين نظام مبارك وأمريكا كواحدة من أهم نقاط الاختلاف مع الرئيس مبارك باعتبار أن هذه العلاقة تأتي في عكس مصلحة الأمة وأن دور مصر المحوري تم تسخيره من أجل تحقيق المخططات الأمريكية الهادفة إلى السيطرة والهيمنة على مقدرات المنطقة العربية والإسلامية حيث كان يمكن أن تقوم مصر بدور مؤثر في مقاومة هذا المخطط بل والعمل على إفشاله وهو ما لم يلتفت إليه النظام المصري بل أصر على أن تدوم علاقته مع الأمريكان لاعتبارات موازين القوى والرغبة في تحقيق الاستقرار من منطلقات الأنانية السياسية التي أصبحت فلسفة المجتمع الحديث .
وهو ما وتر العلاقة بين أمريكا والمعارضة ليس في مصر فحسب بل في أغلب الدول العربية وأصبحت علاقة مصر بأمريكا واحدة من أهم النقاط المطروحة لدى برامج هذه الأحزاب كما أصبحت محورا هاما للنقاش والحوار على الموائد المستديرة وصالونات الثقافة .
غير أنه لا يمكن القول بأن معدل العداء والكراهية لأمريكا ظل على درجته بعد التوتر الحادث بين إدارة بوش ونظام مبارك فقد استطاعت واشنطن أن تستقطب عددا ربما ما زال محدودا حتى الآن من النخبة والجماهير في الاتجاه العكسي للكراهية والاعتقاد برغبة أمريكا الحقيقية في تحقيق الديمقراطية وهي الخطوة الأولى التي يتبعها اعتبار أمريكا المخلص المنتظر .
وعلى الطرف الآخر فإن المعادين لأمريكا والرافضين لها بل المرتفعة أصواتهم بالهتاف ضدها تلتفت أنظارهم بين الحين والآخر إلى أمريكا تراقب تطور العلاقة بين أمريكا والنظام ومدى جدية أمريكا في طرحها حول تحقيق الديمقراطية في الوقت الذي تعلو فيه أصواتهم بضروة إحداث التغيير من قلب المصريين وبإرادتهم دون الاستقواء أو الاستعانة بالخارج ... وهو ما يفسر اهتمام هؤلاء برضا أمريكا أو عدمه على النظام المصري .
وبالطبع لا يشكك هذا السلوك في حسن نوايا هؤلاء وجديتهم بل وتضحيتهم من أجل تحقيق مجتمع أفضل ديمقراطيا لكنه يفسر استمرا ر الدور الأمريكي اللاعب بقوة في قلب الأحداث وأن الرهان عليها ما زال مطروحا في لعبة الشد والجذب بين المعارضة والنظام .
من ينتصر
ليس سوى أحد احتمالين يمكن أن نتوقعهما خلال المرحلة القادمة الأول منهما هو أن تتصاعد حركة الشارع التي بدأت مع مطلع العام الحالي حتى تصل إلى تحقيق هدفها من إحداث التغيير أو استكمال عمليات الإصلاح السياسي التي تضمن تدوال السلطة وانتقالها بشكل سلمي وهو ما ينهي حالة الاحتقان الشديدة التي وصلت إليها البلاد ويكفيها شر حدوث انفجار بات يتوقعه الجميع من غير أتباع النظام الذين لا يريدون أن يروا .
والاحتمال الثاني أن يشدد النظام من قبضتة فوق ممارساته الغير قانوية أو الدستورية فيوسع من الاعتقالات ويمنع المظاهرات ويحد من التجمعات حتى يستتب له الوضع ويحقق السيناريو الذي تم إعداده سلفا سواء كان التمديد أو التوريث .. وهذا بالطبع سيكون تحت سمع وبصر الأمريكيين .. كما سيعني ذلك حدوث ارتداد ديمقراطي بعد أن بدأت اللحظة وارتفع سقف المعارضة كما أشرنا سلفا إلى حد غير مسبوق في الممارسة المصرية .
ثلاثة أو أربعة شهور صعبة ستمر بها مصر بمرحلة عصيبة ودقيقة ... فالكل يضع يده على قلبه تساوى في ذلك النظام أو المعارضة أو الأغلبية الصامتة من المصريين الذين ما زالوا في طور الصمت لم تتحرك جموعهم لا بالسلب ولا بالإيجاب ...
اللهم أحمي مصر واكفها شر البلاء

Friday, 08 April 2005

الطليعة أولا والشارع ثانيا - أسامة الهتيمي

منذ أكثر من عام ونحن نقول إن مصر سيحدث فيها شئ غريب في القريب العاجل فكل المقدمات كانت تشير إلى صورة الواقع السياسي الحالي والذي من المتوقع أن يشهد حدة وتوترا - مع تزايد الضغوط الأمريكية والشعبية التي بلغت حدها الأقصى منذ مايزيد على ربع قرن كامل – وذلك خلال الأيام والشهور القادمة .

فالمظاهرات والاحتجاجات اليومية والتصريحات السياسية التي تعالى سقفها إلى الدرجة التي بدأت تتلاشي معها قدسية الحاكم التي ترسخت وعبر عشرات القرون من الزمن في أذهان الجماهير المصرية كل ذلك أضحى عنوانا كبيرا عن حتمية التغيير وحتمية حدوثه .

مصر اليوم ليست هي مصر العام الماضي ولن تكون هي العام القادم فقد بدأت الحركة ولن تتوقف كما لن تستطيع أي جهة مهما كانت أن تعود بالبلاد إلى نقطة الصفر من جديد بعد أن تمكنت من البدء في لحظة المخاض التي طالما اشتاقت إليها قطاعات عريضة من الشعب المصري والتي قدمت من أجلها الكثير من التضحيات وتحملت في سبيلها العديد من الابتلاءات لذا فإن المصريين سيحرصون وبكل ما أوتوا من قوة ولآخر قطرة من دمائهم على الحفاظ على هذه المكتسبات التي أشعرتهم وللمرة الاولى عبر قرون طويلة بأن لهم حقوقا كبقية خلق الله .

الشارع المصري ربما ما زال يغط في سبات عميق ولم تتحرك منه إلا الطليعة التي هي المنوطة بالتحرك الأول وهذه سنة كونية لسنا أهل بدعة فيها غير أن ذلك سيتبعه يقظة تدريجية عندما تثبت الطليعة أنها تستحق أن تتبع وتستحق أن تقدم من أجلها تضحيات جديدة عندها سيتحقق الحلم ويكون التغيير .

فالكرة إذن في ملعب هذه الطليعة التي يمكن أن تثبت قدرتها على تحقيق تطلعات الجماهير أو أن تكون مخيبة للآمال .

ففي مصر ما يقرب من تسعة عشر حزبا هي الشكل القانوني والشرعي لممارسة العمل السياسي فضلا على المئات من جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني التي يختص كل منها بالتركيز على زاوية محددة من العمل ومع ذلك فلم تستطع كل هذه المؤسسات أن تحظى بثقة الجماهير أو حتى ثقة النخبة المثقفة في المجتمع .. وهو ما يبرر الزخم الحادث في طابور محاولات تأسيس أحزاب وجمعيات وهيئات جديدة يتشابه أو تتطابق أغلبها فيما تطرحه من برامج وجدول أعمال حتى ان تيارا واحدا يمكن ان يفرز عدة تيارات تختلف فيما بينها في جزئيات وتفاصيل اصطعنت من أجل الحصول على ترخيص بالوجود مع ان الدافع في الاستقلال إما أن يكون جو الشك والريبة الذي اصبح السمة الغالبة بين العاملين في حقل العمل العام أو أن يكون رغبة المستقل في إنشاء ما يسمونه بـ " الدكانة " السياسية التي تصبح مصدر للعيش الرغد .

واندلعت الكثير من معارك هذه المؤسسات فيما بينها لتحمل بين طياتها اتهامات بالتخوين والعمالة والتمويل بدلا من أن تتفرغ لمهمتها الرئيسية في الدفاع عن حقوق الشعب وتأصيل التداول السياسي وتحقيق مجتمع الحرية .. فكانت التربيطات والصفقات مع النظام السياسي والذي دفع الكثيرين إلى الهرولة وتقديم التنازلات

" البيع " مقابل الحصول على فتات حتى أضحى العيب مقبولا بل ومبررا .. واصبح الرافض الماسك على الجمر متهما بالعجز عن تحقيق ما حققه الآخرون وما نقده إلا فشلا في أن يصبح كالآخرين .

الجماهير ليست غبية وحس الشارع أصدق أنباء من الكتب وهي مدركة تماما أن النخبة السياسية هشة ينخر سوس الفساد في عظامها وأن وصولها لما تأمل إليه لن يزيد الطين إلا بله لذا فهي تتمهل وتتأني في أن تتحرك أو تتفاعل .. فهي في حاجة إلى أن تحدث عملية الفرز التي تذهب بالزبد وتبقي بما ينفع الناس .

فالجماهير ليست مع نوال السعداوي التي تعادي بافكارها عقيدة الناس وأفكارهم الدينية وليست مع سعد الدين إبراهيم الذي يجهر بمساعدة أمريكا العدو الاول وليست مع محمد فريد حسنين الذي خذلهم يوم أن تحدث عن السلام مع إسرائيل وليست مع أيمن نور الذي تتزايد الشكوك يوما بعد يوم في تلقيه الدعم الأمريكي .. الجماهير ليست مع هؤلاء ، كما أنها ليست مع نظام الرئيس مبارك .. الجماهير ما زالت تنظر متفحصة ومتطلعة إلى ذلك الذي لم يشتم رائحته بعد .. كما أنها ليست مستعدة إذا كانت هذه هي الطليعة .. فلا مانع من أن يبقى الوضع على ما هو عليه ولا مانع من أن تتحمل المزيد حتى يبزغ النور .

على الطليعة أن تستمر دون موافقات أو مراهنات أو انتظار الدعم والتمويل من الخارج إذا كانت فعلا تريد أن تتحرك الجماهير .. حقيقة الأمر أن الاوضاع وصلت إلى درجة لم يعد من السهل وصفها تستدعي التحرك لكن هذ الجماهير ليست مستعدة أن تعاني مرتين أو تراهن على الأسوأ .

لقد جاءت مطالبة الرئيس المصري حسني مبارك لمجلسي الشعب والشوري بتعديل المادة 76 من الدستور المصري والخاصة بالسماح بترشيح أكثر من شخص للانتخابات الرئاسية كقارب نجاة للتيارات والأحزاب السياسية في مصر ساهم بقدر كبير في انقاذها من الغرق الذي كاد أن يقع .. في الوقت الذي استقبلت فيه الجماهير هذه المطالبة بفتور وبرود شديدين حتى كأن شئيا لم يقع ودعك من التغطيات الإعلامية في التلفاز والإذاعة والصحف التي صورت سعادة المصريين وكأنها حققت الفوز بكأس العالم لكرة القدم .

وقد أثار ذلك عجب المراقبين والمحللين والمهتمين بالشأن المصري .. طارحين إزاءه العديد من التساؤلات من مثل : هل فقد المصريون معنى الانتماء إلى بلادهم ؟.. هل يأسوا من إحداث التغيير ؟.. هل يقبلون بالوضع الحالي ؟.. هل وهل وهل .... وردد الجميع ليس ذلك هو ما يمكن أن نتوقعه من الشارع إزاء قرار مصيري كهذا حتما هناك خلل .

والحقيقة أن الشارع كان أصدق أيضا هذه المرة فلم يتسرع في إصدار الحكم وإبداء الرأي فكانت الحكمة الشعبية تقتضتي النظر إلى الافعال لا الأقوال حتى تتكشف الحقائق وتظهر الصورة فكان أكثر رزانة من كل التيارات السياسية التي صرخت فرحة بما هو سراب .

لم تصل النخبة ولا الطليعة إذن إلى وعي الشارع وجاء إدراكها للحقيقة متأخرا بعد أن غشيتها السكرة وظنت أنها أستأسدت وتمكنت ، مع أن أقصى من يمكن أن تسفيده الطليعة من الحادث هو أن تردد في دعوتها صدقا أو زورا أن ما مارسته خلال عقود مضت هو ما أدى إلى ما تحقق .

وبذلك فستعود الطليعة مرة أخرى لتخدع الشارع ظانة سذاجته وجهله وغاضة الطرف عن إدراكه لواقع الضغوط الدولية والحراك السياسي الحادث في كل المنطقة العربية الذي ربما يكون مجرد مناورة يجريها القطب الأوحد للحصول على مزيد من تنازلات الأنظمة التي أدمنت التضحية من أجل البقاء .

فالشارع يعرف تماما أن المرحلة مرحلة المزاد العلني وأن المتهافتين على هذا المزاد كثرة وأن البضاعة هي الحكم وأن الثمن هو الحقوق .. حقوق هذه الشعوب المقهورة .. لذا فلن يشارك أبدا في التصفيق أو التهليل لأحد المشاركين في بيع حقوقه ولن يقبل أبدا بمن يأتي مدعوما بمن سفك دمه في العراق أو فلسطين وغيرهما حتى ولو رفع شعار الحرية والديمقراطية .

أين من يقدمون بلا مقابل وأين من يضحون وهم ماسكون بأيديهم وقلوبهم على ثوابت العقيدة والأمة والوطن .. حتما هم موجودون لكنهم في حاجة ماسة وحقيقية لفعل محاولات مكثفة لإجراء عمليات تطهير وتنظيف جواني وبراني حتى يمكن أن يضيئوا وتتوهج مشاعلهم .. ساعتها وساعتها فقط سيخرج الناس ويتحرك الشارع ويتحقق التغيير .

بئس الصمت في الوقت الذي لا يبرر معه أي صمت وبئس التبرير للقهر والرضا بالاستبداد ، وبئس التسليم في حين يعلن الكل المواجهة ، وبئس هؤلاء الذين يسخرون عواطف الناس ومشاعرهم الدينية ويجرونها إلى حيث لا يرضى الله ، وبئس الذين يتفرجون في الوقت الذي يجب أن يكونوا لا عبين .. فإلى متى تقف تيارات وقوى سياسية ضمت في صفوفها خيرة شباب الأمة صامتة فلا هي تحركت ولا تركت لهذه الطاقات أن تنطلق ؟ .

Friday, 01 April 2005

الإخوان المسلمون واللعب على أحبال السياسة - أسامة الهتيمي

الآن تأكد الجميع من أن التغيير السياسي في مصر قادم لا محالة فالمؤشر والبوصلة الأولى لتحديد الاتجاه والنوايا السياسية للنظام المصري تحرك أخيرا وبعد طول انتظار مما ينهي معه عمليات التكهن والتحليل وحتى التشكيك في حقيقة الجاري .

فعلى الرغم من انشغال القوى والتيارات السياسية - بغض النظر عن ضعف قدرتها على التأثير- كلها في الحشد والتجبيه من أجل الحفاظ على ما اعتبرته مكتسبات للمعارضة ودوام المطالبة بالإصلاح السياسي كانت جماعة الإخوان المسلمين أكبر وأقوى وأقدم التيارات السياسية والدينية في العالم العربي منشغلة بما هو أولى وأهم باعتبارات أجندتها وجدول أعمالها حتى اعتقد الناس أن الجماعة تحيا لحظات ما يسمى بالغيبوبة السياسية .

فآلاف طلاب مصر بجامعة الأسكندرية يتظاهرون من أجل فيديو كليب وآخرون يتظاهرون في جامعة حلوان من أجل الإفراج عن الصحفي السوري بقناة الجزيرة والمحتجز في أسبانيا تيسير علوني وقبل أيام قليلة تخرج مظاهرات بأغلب جامعات مصر للاحتفال بذكرى اغتيال شيخ المقاومة ومؤسس حركة حماس الفلسطينية أحمد ياسين .. في حين العشرات من غير الإخوان يخرجون للتظاهر شبه اليومي في ميدان التحرير وأمام مجلسي الشعب والشورى للمطالبة بالإصلاح السياسي ورفض محاولات التمديد للرئيس المصري بولاية جديدة فضلا عن رفض التوريث لنجله جمال .

وتنشر على لسان المرشد العام للجماعة وسط كل هذه المعمعة تصريحات تؤكد احترام الجماعة للرئيس المصري باعتباره ولي الأمر الذي يجب طاعته وأن الجماعة على استعداد لمبايعة الرئيس مبارك لولاية خامسة بشرط أن يفتح معهم قناة للحوار وهي التصريحات التي مثلت للملايين من أبناء مصر سواء ممن ينخرطون في العمل داخل صفوف الإخوان أو ممن يتعاملون معها باعتبارها قوة سياسية لها الحق في الوجود الشرعي مثلت لكل هؤلاء صدمة أعادت للإذهان الكثير من المواقف السياسية السلبية التي انتهجتها الجماعة خلال حقب سياسية متعددة .

ولم تشهد كل المسيرات أو المظاهرات بشأن موضوع تعديل الدستور والإصلاح السياسي منذ بدأت العام الحالي أية مشاركة إخوانية حقيقية سوى من عناصر ربما تحركت لتعبر عن نفسها لمواقعها النقابية أو للحفاظ على ماء وجهها الذاتي وربما لتسجل الجماعة لنفسها مشاركتها في هذه المسيرات إن هي عوتبت في هذا .. لكن الجميع يدرك تماما أن تمثيل الإخوان بهذه الضآلة لايعد مشاركة حقيقة وأنه فقط أحد أدوات التكتيك السياسي في لعبة العلاقات مع بقية القوى والتيارات الأخرى وهو ما يسمونه بـ " اللعب على الحبلين ".

وقد كان كل ذلك كفيلا بأن يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن دعاوى الإصلاح والتعديل التي يطلقها النظام السياسي في مصر دعاوى زائفة وليست حقيقة ..أو انها تعد مرونة من النظام المصري للتقليل من حدة الضغوط الخارجية وامتصاص الغضب الداخلي .

لكن اليوم الوضع يتغير وأخيرا يدعو الإخوان إلى مسيرة سلمية أمام مجلس الشعب للمشاركة بفاعلية في مطالب الإصلاح السياسي ويدعون إلى المشاركة الحركة المصرية للتغيير التي تضم في عضويتها ممثلين لأغلب الأحزاب السياسية .

فماذا حدث إذن يدفع الإخوان إلى تغيير استراتيجيتهم ؟ .. هل استيقظوا من غفلتهم أو غيبوبتهم السياسية ؟.. أم أنهم استشعروا بأن حالة من فقدان الثقة والمصداقية بدأت تسري في جسد القاعدة من الإخوان المخلصين ؟.. أم أن الإخوان بعلاقاتهم وقدراتهم المتميزة استطاعوا ان يتأكدوا من حقية الحدث وأنه ليس زائفا ؟ .

الرئيس مبارك في حواره الأسبوع الماضي لصحيفة لفيجارو الفرنسية يؤكد حق الإخوان وحريتهم في الانضمام إلى أي حزب يريدون وهو تصريح خطير يشير إلى تغيير سياسية النظام في التعامل مع الإخوان الذين كانوا سببا رئيسيا وعاملا مهما في علاقة العداء بين النظام وحزب العمل الذي احتضن العديد من أعضاء الجماعة وأتاح لهم فرصة التواجد على الساحة السياسية وهو ما أدى في النهاية إلى تجميد نشاط الحزب وغلق صحيفته .

فالباب أصبح مفتوحا للإخوان واعتبارهم أحرارا من قبل رأس النظام هو جواز المرور بالنسبة لهم وحق ليس من السهل أن يفرطوا فيه .

ووزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس تعلن وبمنتهى الصراحة بأن بلادها تمارس ضغوطا من أجل إجراء انتخابات رئاسية تنافسية في مصر هذا العام وأنها لم تعد تبالي كثيرا بما يثار من مخاوف من أن المتطرفين المسلمين سيحلون محل الانظمة الاستبدادية ولكن ما يحركها حقيقة قوية مؤداها أن الشرق الاوسط لم يعد ليستمر مستقرا ومضيفة أن التطرف يتجذر في غياب القنوات الاخرى للنشاط السياسي.. ومن ثم فإنه لم يعد ممكنا الدفاع عن الوضع القائم فيما تكون هناك رغبة في التحرك في اتجاه آخر.

إشارتين مهمتين في أسبوع واحد تضيئان الضوء الأخضر لحركة الإخوان المسلمين لم نعتاد أن تتركهما فلسفة السلوك السياسي لحركة الإخوان من المرور مر الكرام دون استغلالها وتحقيق كامل الإفادة منهما لهذا فالفرصة سانحة لئن تتعامل الحركة مع الوضع الجاري بشكل مختلف ولئن تستعرض ولو بشئ من الحذر عضلاتها التنظيمية محققة بذلك عدة أهداف ربما يتعارض بعضها مع بعض دون أن يؤثر ذلك بالسلب على تنظيم الإخوان الذي يعد الحفاظ عليه هو الهدف الأساسي للحركة .

فالتحرك البطئ والتدريجي – حيث كانت دعوة الدكتور محمد حبيب نائب المرشد العام بأن تكون المسيرة رمزية وليست حاشدة - يرسل برسالة صريحة وقوية إلى النظام السياسي في مصر على أن الحركة لا تسعى مطلقا ولا ترغب في الدخول في مصادمات مباشرة معه كما انها على استعداد بأن تتفاهم وتتعاون من أجل إرساء الاستقرار وامتصاص الغضب الشعبي شريطة أن يبدي النظام مرونة أكبر في التعامل مع الحركة .

وتؤكد الحركة من خلاله لكل التيارات والقوى السياسية أنها ما زالت القوة الرئيسية والأساسية في الشارع وأنها الوحيدة الأجدر على تحريكه وهو ما يوحي بإيحاءين لهذه التيارات أولهما الشعور بالإحباط والضآلة أمام الحركة وثانيهما أنه لا مفر من التعاون مع الحركة لتحقيق مطالب هذه التيارات .

وتظهر الجماعة عن طريق تحركها المحسوب والمدروس للعالم وللقوى الدولية أنها حركة منظمة تستوعب جيدا آليات الديمقراطية وأنها قادرة على تملك زمام أمورها وهو ما يشير بقوة إلى قوة التنظيم وقدرة الجماعة في السيطرة على حركة أعضاءه .

كما يمكن بهذا أن تسجل الحركة لنفسها تاريخيا تحركها وتفاعلها مع الشارع المصري في إحداث التغيير المنشود وهو ما يصنف الحركة باعتبارها حركة مناهضة للنظام السياسي وليست حركة تربطها معه علاقة مصلحة أو صفقات سياسية .

وأخيرا فإن الإخوان وعن طريق قرون استشعارهم الحساسة يكونوا بهذا التحرك في مقدمة الصفوف وأقواها التي تعطي لهم الحق في الحصول على النصيب الأكبر من الغنائم إن صدقت حقيقة استشعاراتهم .

بهذا تكون الجماعة قد تعاملت مع كل الملفات بذكاء منقطع النظير وراهنت على كل شئ باحتمالات بسيطة للخسارة والابتلاء وأرضت كل الأطراف مع احتفاظ أعضاء مكتب الإرشاد والإرشاد فقط لأنفسهم بحقيقة نوايا الجماعة وأهدافها حيث أن آلاف الإخوان يثقون في قيادتهم ولا يسألون إذا ما كلفوا بأن يفعلوا فحتما ما يؤمرون به ابتغاء مرضاة الله .

واضح أن الإخوان فرس الرهان الجديد شاءوا أم أبوا فهم أكثر من يمكن أن يحقق التجربة التركية الإسلامية في الشرق الأوسط ليسقط بذلك بعبع الخطر الإسلامي الذي ما فتأ يهدد الولايات المتحدة وأوروبا بغض النظر عن حدود سقف التنازلات الذي قدمته حكومة أربكان ومن بعدها حكومة أردوغان وسقف التنازلات الذي يمكن أن تقدمه حكومة الإخوان المسلمين القادمة في مصر .

الصراع القادم سيكون إذن بين ما يمكن أن يقدمه الإخوان من تنازلات وغيرهم من الإسلاميين الجدد أو القدامى الذين يمكن أن يقدموا تنازلات أكثر ليحظى بثقة ورضا العم سام وهو الامر الذي دفع الإخوان إلى أن ينتقدوا وبشدة محاولات تأسيس أحزاب سياسية قام على إنشائها من يحسب على الإخوان المسلمين لإدراكهم الكامل أنه باستطاعة هؤلاء أن يقوموا بتقديم ما لم يسمح لهم هم بتقديمه الآن .

الحركة ما زالت القوية وما زالت الأجدر على إحياء عواطف الناس والتأثير فيهم فلماذا تصر قياداتها على على قطع الصلة بين ما يطمح إليه الشارع وبين ما تراه هي أنه في مصلحة التنظيم متعللة بتعرضها لما هو أحد أساسيات اختبار حقيقة الإيمان و الجهاد في سبيل الله وهو التضحية والابتلاء ؟ .

Friday, 04 March 2005

الديمقراطية .. اشكالية الصراع بين الاقوياء والمستضعفين - اسامة الهتيمي


الكثير من القضايا الفكرية ما زالت محاصرة داخل أزمة ما يسمى بدائرية الفكر العربي والإسلامي وتعني عدم تجاوز البحث إلى ما بعد الخلاف التقليدي حول الجواز والحرمة وهي الأزمة التي تمثل العامل الأكبر والأخطر

على مسيرة التطور الفكري في الذهنية العربية والإسلامية.
وتتخذ هذه الأزمة أشكالا نسبية من مجتمع إلى آخر بحسب طبيعة هذا المجتمع ومدى مشاركته واحتكاكه ودينامكيته الفكرية التي تشكلها العديد من العوامل والظروف ومدى الاستعداد .
كما تتحقق هذه النسبية داخل المجتمع الواحد خلال فترات زمنية مختلفة بالسلب أو بالإيجاب بتنوع الاحوال السامحة بهيمنة فكرة على أخرى بما يوجد أحيانا تراثا ثقافيا متناقضا في بعض الأوقات .
وتأتي الديمقراطية في مقدمة القضايا التي تقع أسيرة هذه الإشكالية حتى أنه وبعد مرور ما يزيد على قرن من الزمن من طرح القضية ما زال يدور الحوار بين الباحثين بمختلف توجهاتهم حول مشروعية التعامل مع المفاهيم الديمقراطية من عدمه وهو الأمر الذي لم يقتصر على الإسلاميين فحسب بل أمتد إلى غيرهم وإن اتخذ نمطا آخر يشكل لهم دائرة الحلال والحرام بمفاهيم غير دينية .
وليس من المنطقي بذل الجهد في محاولة لتبسيط القضية فالأمر ليس مختصرا على إشكالية بعينها بقدر ما تنبأ عن خطأ في تركيبة الوعي الجمعي العربي ساهمت العديد من العوامل المختلفة في صنعه وهو ما يدعو إلى بذل المزيد من الجهد المنظم والفعال من قبل الباحثين والمعنيين في إطار إعادة تشكيل هذا الوعي وعلاج ما أصابه من خلل .
وتكتسب قضية الديمقراطية خصوصية تميزها عن بقية القضايا الأخرى تدفع إلى عدم تجاوزها لنقطة بعينها وهو ما يمكن أن نسميه بالخصوصية الدافعة الى التخلف وتعقيد الانطلاق نحو الأمام .
فالديمقراطية ليست مجرد إشكالية ذهنية لكنها واقع مرتبط بطرفين أحدهما قوي أو مستقوي والآخر ضعيف أو مستضعف ، وليس من مصلحة القوي أن ينتهي الجدل حول ما يمكن أن يكون شوكة في ظهره تحرمه من تطلعاته وأحلام البقاء .
فبداية الصراع قائمة بفعل فاعل مازال يحرص على أن يزيد من حدته ويستميت في استمراره .. فالمسألة حياة أو موت وجود أو عدم وليس متوقعا أن تكون المعركة بالسهولة التي لا تحتاج فيها إلى مقاتلين وضحايا وهو ما يشير بقوة إلى ازدواجية إشكالية الديمقراطية بين الذهنية والواقعية .
الديمقراطية والشورى
الأسماء تشكل لدى قطاع كبير من الإسلاميين حساسية شديدة وهو الأمر الذي يعود إلى أن المصطلحات تعود في طبيعتها إلى ظروف وأسباب وبيئة نشأتها التي تجعل لها دلالات خاصة لا يمكن أن تتجاوزها إلى غيرها إلا بتوافر نفس ما توافر لها في بيئتها الأصلية وهو ما يدفع هؤلاء إلى اعتبار أن الديمقراطية بمفاهيمها الغربية لا تتلاءم مع المجتمع الإسلامي الذي أنتج مبدأ آخر أكثر شمولا ودفعا للإنسان الذي هو خليفة الله في الارض لتحقيق المجتمع المنشود.
ويصر هؤلاء من منطلق عدم التعاطي مع المسميات التي أُفرزت ونتجت خارج الحدود الفكرية للإسلام على رفض الديمقراطية وهو ما انسحب بالتالي على رفض العديد من الآليات الديمقراطية التي لا يتعارض أغلبها مع المبادئ والغايات العليا للإسلام وقد كان ذلك سببا في وجود حالة من الصراع بين هؤلاء المحسوبين على التيار الإسلامي وبين غيرهم ممن يتبنون الديمقراطية وآلياتها كخيار للتغيير وتحقيق مجتمعهم المنشود أيضا .. تعدى هذا الصراع حدود الخلاف النظري إلى حد تبادل الاتهامات بالتخوين والعمالة وما شابهما .
غير أن محاولات توفيقية تمخضت داخل التيار الإسلامي سعت إلى إيجاد صيغة وسطية توازن بين التطلعات الجماهيرية للديمقراطية والرؤية الإصولية الرافضة لها لاعتبارات الفلسفة والمنطلقات ، وقد حرص هذا التيار الوسطي التنبيه على دور المبدأ الإسلامي الرئيس في هذه المسألة وهو " الشورى " التي يمكن أن تحقق مكتسبات الديمقراطية فضلا عن مراعاتها للإصول الإسلامية .
لكن يبقى أن آخرين يمعنون في تجذير الخلاف اللفظي بقصد أو بدون قصد وهو ما يعوق إحداث الإجماع الذي بتحققه يمكن إحداث فعل التغيير وهو الخطر الذي يخشاه الأقوياء .
ويغيب عن فريق أن التجارب الإنسانية ليست شئيا مقدسا بل هي قابلة للصواب والخطأ حتى يمكن الاستفادة وتصحيح المسار بما يقلل إلى أقصى مدى حجم الزلل ويتم خلال ذلك الاسترشاد بالتعاليم الإسلامية التي حددت الخطوط العامة دون الإستغراق في التفاصيل التي يمكن أن تتبدل وتتغير بحسب الزمن والمكان .
وهو ما يدفع إلى القول بعدم التعارض بين اعتماد الآليات الديمقراطية التي تكفل حق المشاركة في صنع القرار أو حق المطالبة في تحقيق العدالة أو ما إلى غير ذلك مما تهفو إليه الشعوب وبين اعتبار مبدأ الشورى الأساس الإسلامي للنظام السياسي في مجتمعاتنا وهو ما صك له البعض مصطلحا جديدا لتمييزها عن الديمقراطية الغربية ذات الأبعاد المخالفة للتعاليم الدينية " الديمقراطية الإسلامية ".
والأهم من ذلك هو محاولة خلق أرضية مشتركة يتم خلالها تحديد دقيق لمفهوم الديمقراطية المنشودة وعلاقات التقاطع مع الشورى واعتماد الآليات التي لا تشكل تعارضا مع الإسلام فضلا عن تسليط الضوء على التراث الفقهي والفكري الإسلامي الخاص بالجوانب السياسية وتنقية ما علق به من شوائب تراكمت بفعل أحداث تاريخية .. وهو ما يمكن معه غلق باب التبرير وتأصيل البعض للرضا بالقهر والاستسلام للاستبداد .
الديمقراطية والاستغلال
ويشارك فريق الرفض او متخذي الموقف الحذر من الديمقراطية داخل صفوف الإسلاميين العديد من الاتجاهات اليسارية التي ترى أن الديمقراطية قرينة للاستغلال الرأسمالي للفقراء أو لشعوب العالم الثالث الذي رضخ لعقود طويلة تحت نير الاحتلال الذي استنزف وما زال ثروات هذه البلدان ليوفر لشعوبه حياة الرفاهية والترف في حين لم تتمكن هذه الديمقراطية من أن تخفف العبء الملقى على كاهل هذه الشعوب المنهوبة بل إنها كانت الأداة التي استخدمت للحصول على تأييد استمرار ممارسة الإفقار .
الدعوة التي يتبناها هؤلاء هي دعوة الحرية الإنسانية بعيدا عن اللون والجنس والعقيدة دعوة تكفل لكل البشر الشعور بإنسانيتهم وقيمتهم كبشر ... وهي رؤية امتدادية للعداء الذي كان ناشبا بين المعسكر الشرقي والغربي حيث يرفض المعسكر الشرقي كل ما يأتي به الغرب أو يدعو له ومنها الديمقراطية وليدة ونمط النظام السياسي في الغرب .
الديمقراطية والحرية
ينحاز العقل تماما إلى القول بأنه لاديمقراطية بغير حرية فليس للإنسان أن يخير عند إعدامه بين الموت بالسم أو الموت بالسيف فلا معنى للديمقراطية حيئذ .. الديمقراطية الحقيقية هي أن تتوقف أي سلطة عند حدود القانون والدستور.
لا معنى للديمقراطية عندما يحيا الإنسان في وطن مقيد بل عندها تتحول الديمقراطية إلى نكتة سخيفة ووسيلة يستهدف منها المغتصب إحداث الخلل في أولويات الشعوب المحتلة .. الديمقراطية الحقيقة تأتي في ظل أوطان تنعم بالحرية .
الحرية هي الأساس لإمكانية تحقيق الديمقراطية بعد